اختار الله إلى جواره ليلة الجمعة في الثامن عشر من شوال 1429هـ الموافق للسابع
عشر من تشرين الأول 2008م يمان علي الطنطاوي، الابنة الصغرى للشيخ علي الطنطاوي
رحمه الله، في حادث مروري أليم وهي في طريقها من مكة المكرمة. تغمّدها الله برحمته
وأنزلها منزلاً مباركاً وألحقها بأبيها وأمّها وأختها الشهيدة في عليّين.
24 شوال 1429 هـ، 23 تشرين الأول 2008م
سيرة يمان علي الطنطاوي
كتابات عنها رحمها الله
ننشر تباعاً ما ينشر من مقالات عنها رحمها الله، وابتدأنا ببعض ما كتبه
أفراد عائلتها وأُعدّ للنشر، ونتبعه بما سينشر لاحقاً.
أمي.. أحب الناس إلى قلبي.. أقرب الناس لي.. عفراء نادر حتاحت
عفراء نادر حتاحت
كيف أتصور حياتي دونك؟! يمادر بلا يمان؟! بيتك دونك؟!
ولدي يقول سنذهب لبيت جدتي وجدتي ليست هناك.. جدتي ذهبت للجنة..
عندما مات جدي.. قلت أنك في الأربعينات، ومع هذا تشعرين أنك يتيمة..
وأنا اليوم في الثالثة والعشرين.. أمٌ لطفلين.. وأشعر أنني طفلةٌ صغيرة
أضاعت أمها في السوق.. تستند على الحائط لتحتمي به.. فحمايتها ليست معها..
أمانها بعيدٌ عنها.. تدعوا الله أن تجد أمها سريعاً..
لكم أحسست بالفخر حين تشبهينني بك.. أو يُشبهني الناس بك.. لكم أحسست
بالثقة بنفسي وأنت تدعمين تصرفاتي.. مهما تأكدت في قرارة نفسي أنني فعلت
الصواب وأيدني من حولي.. لا أرتاح إلا بدعمك.. حتى وإن كان ابتسامةً منك
تكفيني..
ذهبنا للعقيقة معاً.. لم أعلم أنه يومك الأخير.. لم أودعك وأنت خارجة..
عدنا من مكة.. وذهبت لأنام في الثانية صباحاً.. أيقظني زوجي بعد
ساعة...
- استيقظي أريد إطلاعك على أمر..
- غداً تخبرني..
- لا.. قومي.. أهلك وقع لهم حادث في طريق عودتهم من مكة..
- هل مات أحد؟!
قال: لا.. تكسروا.. أمك مرتاحة..
لم أدرك أنه يقصد براحتها الموت.. قمت فزعة. تجهزت وحملت أولادي لآخذهم
لبيت أخي..
عند الباب. قال علي: عظم الله أجرك..
قلت سريعاً في نفسي إلا ماما.. وقلت عالياً: من؟؟
قال: أمك.
أفلته وقلت: لا تقل ماما.. أرجوك ليست ماما.
قال: والله أمك..
وجرينا لنراك.. أدخلوني الثلاجة بصعوبة.. أراك ممددةً ومغطاة.. لا أرى
منك إلا يدك.. نزلت أقبلها.. مرة واثنتين ومائة.. أعلم أنني لن أقبلها
غداً.. أقبلها وأدعو وأبكي.. ثم رفعت الغطاء عن وجهك.. تبتسمين ابتسامةً
هادئة تظهر بها أسنانك..
وفي سيارة الموتى.. سألت العم مجاهد إن كنت تسمعينني..
قال: قولي ما شئت.. نزلت بجانبك بعد أن توقفت السيارة..
- ماما أحبك..
- ماما أنت أفضل أمٍ عرفتها..
- ماما إن كنت تسمعينني سأفعل كل ما تحبين..
-إن كنت تسمعينني سأرفع رأسك عالياً..
- إن كنت تسمعينني سأجمع إخوتي كما تحبين..
- إن كنت تسمعينني عبادة بعيوني..
- الله يخليك لي.. الله يخليك لي..
بعد أن قلتها تذكرت أن الله أخذك مني فزاد بكائي..
قلت: الله يرحمك.. الله يغفر لك.. الله ينور قبرك.. جعل الله قبرك روضةً
من رياض الجنة..
- يا ماما سلمي لي على جدي وجدتي وخالتي بنان..
أذكر كل هذا.. أبكي وأحمد الله.. أحمد الله أن متِّ يوم الجمعة.. أحمد
الله أن مت فوراً بلا ألم.. أحمد الله أن ودعت الحرم بعد العقيقة.. أحمد
الله أن دفنت بسرعة.. أحمد الله أن قدَّر لي وداعك.. أحمد الله على سرب
الحمام الذي واساني.. حلَّق فوق المقبرة وحطَّ على قبرك بسكينة أراحت كل من
كان..
أحمد الله أن قدَّر لي أماً مثلك.. لم تقل يوماً إلا ما تفعل.. عالية
الهمة.. قوية.. صادقة.. حكيمة.. معطاءة..
أعجبت بك أماً وزوجةً وكنةً وأستاذةً وجدة.. وأتمنى أن أكون ولو جزءاً
منك..
عندما دخلنا البيت بعد خمسة أيامٍ من وفاتك.. بكيت أكثر من قبل.. قلت:
اليوم ماتت أمي..
مستغربة.. حزينة.. متألمة.. ومشتاقة لك.. أتمنى أن أجدك في أركان
البيت.. كيف سآتي إلى هنا بدونك؟! كيف سأربي أولادي بدونك؟!
مهما حدثت الصغار عنك لن أَفيك حقك..
لك علي أن أفعل ما وعدتك.. ولك على أنني سأسير على خطاك.. أن أكون أماً
رائعةً كما كنت لنا.. زوجةً مثاليةً كما كنت لأبي.. ابنةً بارةً بك وبأبي..
وأمةً طائعةً لربها.. عسى الله أن يُبلغني ما بلَّغك..
يمان.. هل أكتب عنها أنا.. هل يكتب الإنسان عن جزء من نفسه؟
يمان توأم روحي، أختي الصغرى.. وعيتها طفلة وعرفتها شابة وصاحبتها سيدة
وأستاذة جامعية.. يمان إنسانة دؤوب، إذا قررت الوصول لغاية سعت لها بكل
طاقتها. كنا صغيرات، وكان الوالد يخاف علينا من نسمة الهواء.. لذا عند أقل
تعب يقول لا تذهبن إلى المدرسة.. لا تدرسن. كنت أسر بذلك، أما هي فكانت
تضع الكتاب تحت السرير وتدرس على الضوء الخافت، وتحرص على دوام المدرسة
مهما كانت الظروف، حتى أنها في مرة من المرات (وكانت في السنة الابتدائية
الرابعة وكنا نسكن عمارة الكعكي بمكة في الدور الثامن) نزلت بالمصعد فلم
تلحق بحافلة المدرسة، ومع هذا أصرت على اللحاق بها وظلت الحافلة تسير وهي
تركض وراءها، كلما توقفت لأخذ طالبة أسرعت الخطو حتى لحقت بهت في المسفلة..
وركبت ووصلت إلى المدرسة. كانت تحرص على أن تكون الأولى دائماً، ومع هذا
فهي مثلي تحب القراءة. قرأنا معاً كتب الأدب العربي ودرسنا معاً الفقهَ
والحديث.. ثم تزوجت أنا بعد الثانوية وتزوجت وهي في المتوسطة، وقررت إكمال
دراستها بعد الزواج فأكملت منازل.. مع إنجابها ولدين. ثم قررت إكمال
دراستها الجامعية، فداومت ودرست ونجحت بتفوق، ثم أصبحت أستاذة.. لست أنا من
يذكرها في ميدان الجامعة بل طالباتها.. كانت مخلصة في عطائها، واضحة في
عباراتها، لا تحب الكلام الكثير لكنها توصل الفكرة بكل وضوح. درست عندها
ابنتي فقالت إن خالتي يمان دائماً تستشهد بأقوالك وتقول أختي أمان.. مع
أنني كنت أستشهد بأقوالها رغم أنها تصغرني ودرست الشريعة بعدي، إلا أنها
فاقتني حفظاً ورواية.
في حياتها كان التصميم يصبغ حياتها.. إذا صممت على شيء فعلته. أعطيها
الفكرة فتنفذها أكثر مني، وتحافظ على تنفيذها بإتقان.. لا تحب الاعوجاج بل
تحب الوضوح، ولا تسلك إلا الطريق المستقيم. كانت معطاءة، وأظنها كانت ممن
ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه).
وأهم ما يميزها السرعة، تعيش في عمل يجب أن تسرع به.. وهذا حصل معها في
حياتها، فها هي أنجزت مهمتها في عجلة ورحلت تاركة أسرة لا تستطيع الحياة
بدونها.. تركت فراغاً في حياتنا لا أتخيل كيف سنتحمله.. لكنني ما أؤمن به
في الفقد أن مكان أحبتنا في حياتنا سيظل محفوظاً في هذا الفراغ، ولو أننا
حاولنا ملأه.. عندها فإننا سنفقدهم.
* * *
هل أكتب عنها كأخت أم أكتب عنها كأستاذة.. هل أكتب عنها كصديقة عمر أم
أكتب عنها كفقيهة وعالمة.. أجل، كان لديها حظ من العلم، وكان عندها نظر
صائب.. لكنها لم تكن تحب الدعاية ولا تسليط الأضواء عليها.. متواضعة..
أجل.. واثقة من نفسها.. تعطي الفكرة بكل وضوح ودون رتوش ولف ودوران.. كانت
لا تحب التكرار..
هل أكتب عنها كفقيدة.. هل أرثيها.. أنا أمان ترثي يمان.. كيف أعبر عن
نبض قلبي لم يعد ينبض في حياتي؟..
إن لها بقلبي منزلة.. وبروحي وبكياني منزلة.. لم أعرف نفسي إلا معها..
من طفولتنا كنا أمان ويمان.. في العائلة أمان ويمان.. ماتت الوالدة وهي
تسمينا الصغيرات.. أمان ويمان.. والدي رحمه الله كان يقول لوالدتي: يا
عائدة علام تضحك أمان ويمان.. كنا نضحك معاً ونبكي معاً مع أن لكل منا
سجايا مختلفة.. نظرة مختلفة للأمور وتطبيق مختلف.. كانت حازمة وكنت
متراخية.. كانت سريعة تحب الوصول للهدف من أقصر الطرق.. وأنا أستمتع بسيري
للهدف..
لكن جمعتنا أخوة وطفولة واحدة.. ذكرياتنا واحدة.. فرحنا واحد.. معاناتنا
واحدة.. لكم ضحك أبنائي وهم يقولون: أنا وأخواتي نفهم على بعضنا من
نظرة..
لا أستطيع أن أتخيل أن أكتب عن يمان.. صغرانا.. لا أستطيع أن أتخيل
الحياة دون وجودها..
هل أصبحنا ثلاثة؟ كنا خمسة.. وحين فقدنا الحبيبة بنان فقدنا معه جزءاً
منا لم يعد أبداً.. أصبحنا نقول إننا نضحك ونعيش ونمارس كل حياتنا.. لكن
ضحكنا لا يخرج من أعماق صدورنا.. وحياتي فقدت الروح..
* * *
كتبت عن أختي الحبيبة بنان رحمها الله.. كتبت عن الوالد رحمه الله.. لكن
يعز علي ويثقل على صدري، ولا أدري هل أقدر عليه أم.. أن أكتب عن توأم روحي
ورفيقة طفولتي.. زميلتي في رحلة الحياة.. حلمنا معاً.. ضحكنا معاً.. بكينا
معاً.. خططنا لمستقبلنا معاً.. تزوجنا معاً.. أنجبنا معاً.. سرنا في الحياة
معاً.. روحان في جسدين، وفكران يلتقيان رغم أن لكل منا شخصية مختلفة.. كانت
تعجب لتراخيّ وأتضايق من شدتها.. لكن بداخل كل منا نفس العاطفة ونفس
العطاء.. لا بل إن عطاءها أضعاف عطائي.. كانت تعطي من نفسها فوق طاقتها..
أنا أقول لها إن زوجي يقول الاهتمام أبلغ من الهم.. من يهتم يحل القضية..
ومن يثقله الهم يتعب، وهذا كان حالها.. كانت تمتص الهموم..
كنا معاً على الدرب.. فكيف سأسير الدرب وحدي.. كنا معاً في ذكرياتنا..
في متعتنا رغم اختلاف ما نستمتع به.. كانت عجولة.. عاشت حياتها وهي في
مهمة.. المتعة مهمة.. المشوار مهمة.. الدراسة مهمة.. العلم مهمة.. وهذا
خلاف شخصيتي لكن الحب الذي يجمعنا جعلنا نتقارب حتى لو كنا نقيضين.. اجتمعت
بها في مرة واحدة في رحلة بفرنسا وبقيت سنوات تقول كيف تعبت معي، لأنني
أتمشى ببطء وأقف عند كل معلمة وأتأمل كل زهرة وهي تمشي مسرعة..
يوم جاءني النبأ وهزني هزاً (وما زال يهزني) ذكرتني إحدى الأخوات أنها
دائماً مسرعة في إنجاز ما عليها، وهي عجلت بإنجاز مشوار حياتها وسبقتني
بالرحيل..
أختاه.. كيف ستكون الحياة دون يمان.. يمان المحبة.. ويمان التي تقف كحد
السيف حين تحس خطأ من الآخرين وخصوصاً في الأمور الشرعية..
يوم الرحيل أصرت ابنتها عبادة أسعدها الله على التعجيل بغسل الوالدة
ودفنها.. وكانت تكرر، أمي تحب التعجيل بالغسل والدفن وتقول إكرام الميت
التعجيل بدفنه.. ورعة تقية.. ثابتة على المبدأ..
فقدت اليوم خالتي.. خالتي الصغرى التي لا يفصل بيني وبينها إلا ثماني
شهور.. رفيقة أيام الصبا وصديقة أيام الشباب.. وكنت أدخرها أختاً لأيام
الشيخوخة.. فشاء الله أن يختارها إلى جواره.. عليها رحمة الله.
بفقدها اليوم فقدت جزءاً من عمري الذي مضى، وأحسست بالموت أكثر من أي
وقت مضى. الموت الذي نقترب منه كلما فقدنا عزيزاً ثم نعود لدنيانا بعد حين،
لكني اليوم وأنا أفقد إنساناً بهذا القرب أجدني أحسّ، مع حرقة القلب، أحسّ
بلفح رياح الموت وهي تأخذ أحدنا وتترك بقيّتنا إلى حين، إلى أجل محدود إذا
جاء وقته ليس لأحد أن يتأخر عنه. عندما نفقد إنساناً بهذا القرب لا تعود
الأيام بعده كما كانت قبله أبداً، بل تبدأ حقبة جديدة علينا أن نحياها
بدونه.
* * *
الساعة الثالثة ليلاً من ليلة الجمعة في الثامن عشر من شوال 1429هـ
الموافق للسابع عشر من تشرين الأول 2008م رنّ جرس هاتفي النقال النائم إلى
جواري بعد أن أوينا إلى فراشنا متأخرين في الواحدة والنصف ليلاً.. استيقظت
فزعاً على رنينه، وازددت فزعاً وأنا أسمع صوت خالتي بيان المتهدّج تخبرني
بالحادث المريع الذي وقع لخالتي يمان وهم عائدون من مكة إلى جدة، وتقول لي
بصوت مختنق أن خالتي يمان قد توفاها الله.. عليها رحمة الله. استيقظت زوجتي
على صوتي وهو يردّد: "إنا لله وإنا إليه راجعون" المرة بعد المرة.. وركضت
أبحث عن رحلة تحملني إلى جدة لعلي ألقي عليها نظرة وداع قبل أن يواريها
التراب.
التقت رحمها الله في ليلتها الأخيرة بأفراد العائلة الكبيرة في وليمة
عقيقة في دار بدر وعبير (ابنة خالتي أمان) في مكة بعد قدوم مولودتهما
الجديدة نهى، القادم الجديد لعائلة علي الطنطاوي رحمه الله، وكأنها كانت
تودّعهم جميعاً. ثم ذهبوا إلى المسجد الحرام فطافت وصلّت، ثم طافت ثانية
ولم تكن تفعل ذلك عادة، وكأنها كانت تحسّ أن هذا آخر عهدها بالبيت وآخر
ساعاتها في هذه الدنيا.. ثم انطلقوا إلى جدة.. ووقع قدر الله.
كانت توصي كثيراً أن يعجّلوا بدفنها إذا ماتت، فبدأ شباب العائلة سباقاً
مع الزمن لإنهاء إجراءات الدفن قبل صلاة الفجر وعلى رأسهم أخي منتصر، رجل
المهمات الصعبة في العائلة، حتى ينفذوا وصيتها. ورغم أني أحمد الله أن
وفّقهم لإنفاذ وصيتها في وقت قياسيّ، لكن الحسرة ملأت قلبي أن لا ألقي
عليها نظرة الوداع. صلّوا عليها ودفنوها رحمها الله بعد صلاة الفجر، وكلمني
أخي معتصم ساعة أنزلوها في القبر لأدعو لها. كان قلبي يسقط معها في قبرها
وأنا أتضرّع إلى الله أن يرحمها برحمته ويهوّن عليها ويسكنها الفردوس
الأعلى من الجنة، ثم دعوت لنفسي بمثل ذلك عندما أنزل هذا المنزل.
بعد ساعات قليلة كنت أقف على قبرها.. والتراب الذي يغطيه ما يزال
رطباً.. فأزيده بللاً بدموعي.. وأبتهل إلى الله بالدعاء أن يجعل قبرها روضة
من رياض الجنة..
* * *
نشأنا أنا وأخي مجاهد مع خالتي يمان نشأة الإخوة، ومعها كذلك خالتي أمان
توأم روحها، فكانت أختاً لنا يوم لم تكن لنا أخت، وكذلك بقية خالاتنا لكنها
كانت الأقرب عمراً، ثم رزقنا الله بأختي الصغيرة عزة، وبقي مكانها محفوظاً.
كانت لنا معها ومع خالتي أمان أيام وذكريات فصّلت فيها الحديث فيما كتبته
عن جدي (لم ينشر بعد). وبقيت لنا معها علاقة خاصة حتى بعد زواجها من العم
نادر الذي حدثته عنا وأشركته في صحبتنا فكان لنا أخاً كبيراً. بعد أن كبرنا
صارت لفترة تبالغ في مجاملتي مما كاد يفقدني الإحساس بالقرب الذي نشأنا
عليه، فطلبت منها أن تعود للتعامل معي دون حواجز دون أن أضطر إلى شدّ شعرها
كما كنت أفعل ونحن صغار. وبقيت قريبة كما كانت دوماً.
كنا نتشارك الألعاب في الصغر ثم صرنا نتشارك الأفكار والأحلام ومن بعد
انتهينا نتشارك الحياة بهمومها ولحظاتها الحلوة. عندما تقترب النفوس تفيض
بمكنونات النفس، ربما كانت قد قالت لي أشياء في السنوات الأخيرة مما لم
تقله لأحد، ولقد قلت لها أشياء لم أقلها لأحد. كنّا نختلف في مسائل ثم نقف
في أكثر الأحيان، بعد شوط من الحوار، في نقاط متقاربة ونشترك في رؤية نفس
الخطوط الحمراء.
وفي السنوات الأخيرة صارت الجلسة الهادئة مع خالتي يمان من أحب الأوقات
إليّ في زياراتي لجدة بعد مغادرتي لها قبل ثماني سنوات، وافتقدت هذه الجلسة
في زيارتي الأخيرة الشهر الماضي فلم أرها إلا في لقاءات سريعة بسبب
انشغالها بإصلاحات بيتها وعدم استقرارها آنذاك. وعندما كلمتها قبل يومين من
وفاتها رحمها الله قلت لها كم افتقدت الجلوس معها وأني سأعوّض ذلك في
زيارتي المقبلة. كانت كثيرة العاطفة في هذه المكالمة وكلماتها التي سمعتها
منها باقية في أذنيّ أبداً وربما تصحبني إلى مماتي.
ولمّا كتبت شيئاً عن حياة جدي انتهيت منه في رمضان الأخير وحملته
لوالديّ وخالاتي أعرضه عليهم، كنت حريصاً أن تقرأه خالتي يمان قبل غيرها
فقد كانت معنيّة بتلك الذكريات أكثر من أي شخص آخر، لكن شاء الله أن لا
تقرأه. وعندما تصدر تلك الصفحات سيلفّها اليتْم لأن خالتي يمان لن تقرأها،
وستبقى هذه غصّة في قلبي.
كانت ثمة أشياء أريد أن أقولها لها وأشياء أريد أن أسمعها منها، وكتباً
أريدها أن تقرأها وتخبرني رأيها فيها، وحوارات نريد أن نستكملها. وشاء الله
أن تفارقنا دون أن نقول شيئاً من هذه الأشياء.
وجدت فيها صفات أحبّها فازددت حبا لها وإعجاباً بها وقرباً منها. كانت
صادقة وأنا أقدّس الصدق فوق كل خلق، وكانت كريمة النفس واليد وأنا أعشق
الكرم. لم يقصدها أحد طالباً حاجة أو ساعياً في خير وردّته قط، وكانت لا
تتأخر عن مساعدة أحد. ورغم الشدّة التي كانت تبدو عليها في بعض المواقف
والتي تعكس صدقها وحرصها على اتباع الحق، فقد كان داخلها نفس لوّامة وقلب
من ذهب، وما راجعتها في أمر إلا وجدتها وقّافة على الحق رقيقة القلب فيّاضة
العاطفة. أما ما عُرفت به من صرامة مع طالباتها، وكلّ خالاتي عُرفن
بالصرامة في التدريس، فما ذلك إلا أداءً لأمانة التعليم وقياماً بها،
وطالباتها اللواتي عرفنها عن قرب أحببنها حبّ الأم والأخت الكبيرة.
لم أعرف قط أخير منها قلباً ولا أصدق منها حديثاً ولا أكرم منها نفساً
ولا أسخى منها يداً أبداً، لا أقول هذا قصيدة مدّاح بل شهادة من القلب.
ما زال قلبي يعمل بقاعدة الوصية الواجبة عند الفقهاء فينفتح على مصراعيه
لأبناء من نفقدهم من الأحبّاء ليمنحهم نصيب والديهم. أجدني اليوم أحب أولاد
خالتي الراحلة أكثر من ذي قبل، فيخفق قلبي لرؤيتهم، ولا أريد أن أفارقهم،
وتبقى صورتهم في خيالي بعد غيابهم. أنظر في عيونهم لأرى عينيّ خالتي التي
غابت، وأتسلل إلى قلوبهم وأرواحهم لأجد فيها قلب وروح خالتي التي رحلت.
أسأل الله أن يتغمدها برحمته وينزلها منزلاً مباركاً ويلحقها بأبيها وأمّها
وأختها الشهيدة في عليّين، وأن يعيننا على ألم فراقها، ويهوّن على زوجها
المثكول العم نادر وأولادها المفجوعين بفقدها.. ورغم أن هؤلاء هم الأكبر
مصاباً بلا ريب، لكن جميع أفراد العائلة مثكولون والجميع يعزّي الجميع
ويبكي مع الجميع، أوّلنا أمي وخالاتي اللاتي تجددت آلامهن بفقد جدي وخالتي
بنان من قبل، وأبي الذي كان يرى فيها ابنة له فقد وُلدت بعد زواجه بأمي
ونشأت مع أولاده، وأخي مجاهد الرفيق القريب منها وبقية إخوتي التي كانت
أختاً لهم، وأبناء العائلة وبناتها وأزواجهم وأصهارهم كلّهم يملأ قلوبهم
اليتم بفقدها كما ملأ قلوب أولادها فلذات كبدها، وكلّ من عرفها موجوع
لفراقها، وطالباتها يبكينها بحرقة، حتى اللواتي اشتكين صرامتها، عليها رحمة
الله.
نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فقد ابنه إبراهيم: إن
القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا خالتي يمان لمحزونون، ولا
نقول إلا ما يرضي الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
يمان علي الطنطاوي: كلمة الوداع، مجاهد مأمون ديرانية
مجاهد مأمون ديرانية
-1-
أنعم الله على جدي وجدتي بعد أمي بأربع بنات، كان حظي منهن خالتين
وأختين. فأما الخالتان فهما الكبريان، بنان وبيان، وكانتا لنا أقربَ إلى
الأم لما كان بيننا من فارق في السن، بل إنهما قدّمتا لنا كثيراً مما تقدمه
الأمهات للأولاد. وأما الأختان فهما الصغريان، أمان ويمان، كانتا أقرب في
السن إلينا أنا وأخي مؤمن، فنشأنا اثنين واثنتين كما ينشأ أَخَوان مع
أختين، فكنا رفاق الطفولة، وكان بيننا ما يكون بين الأطفال الصغار من وئام
وخصام وخلاف وائتلاف، وإن شاركتنا في هذا كله خالتُنا أمان حيناً وترفّعت
عنه أحياناً (متذرّعةً بخمس سنين سبقَتنا إلى هذه الدنيا بها، فكانت كافية
لتُلبسها في أعيننا حلّة من الرفعة والوقار). ثم تركنا الطفولة وعبث
الطفولة، ومضينا في هذه الحياة فصرنا رفاق الصبا والشباب والكهولة، وأمضينا
معاً بضعاً وخمسين سنة.
كنا -كما قلت- أربعة من الإخوة والأخوات، وكانت لنا خالتان، ثم أخذ الله
خالة من الخالتين، فله ما أعطى وله ما أخذ، وله الحمد. ومضينا في الحياة
سنوات، ثم أخذ الله أختاً من الأختين، فله ما أعطى وله ما أخذ، وله الحمد؛
فإن يكن قد أخذ خالة فقد أبقى لي خالة، وإن يكن قد أخذ أختاً فقد أبقى لي
أختاً. له الحمد على ما أعطى وله الحمد على ما أخذ، ولا يُحمَد على مكروه
سواه.
-2-
يطرق بابَك الزائرُ اليومَ فتكون بالخيار، إن شئت استقبلته وإن شئت
رددته، ثم يطرق بابَك في غدٍ زائرٌ آخر، وغداةَ الغد كذلك، وأنت بالخيار في
كل حال. ثم يأتي يومٌ يطرق بابَك فيه زائرٌ لا تملك رَدّه ولا لك معه خيار،
فيقتحم عليك فيقول: "هات"! وأنت لا تملك إلا أن تجيب. ولو طلب الدرهم أو
الدينار لمنحته الدرهم والدينار، لكنه لا يريد منك درهماً ولا ديناراً،
إنما يريد منك نفسك. فماذا تقول في تلك اللحظة وما هي أعظم الأمنيّات؟
لعل بينك وبين رمضان شهراً فأنت تطلب هذه المهلة حتى تبلغه فتعتمر وتستغفر
وترجو أن يغفر لك الله، فإذا كنت في رمضان رجوت أن تبلغ آخره فتعمره
بالطاعات والقربات، فإذا خرجت منه رجوت أن يمهلك ملَك الموت أياماً من شوال
تصومها لتكمل عدة دهرك، فإذا أرجأك ذلك كله (وليس يفعل) ثم جاءك فقال "هات"
فلعك ترجوه ساعات تطير فيها إلى مكة فتطوف بالبيت وتصلي بعد الطواف ركعتين
تدعو فيهما بما شئت، ثم قد يزيد طمعك فتطوف بالبيت سبعة أشواط أُخَر، وتصلي
ركعتَي الختام، وتدعو بآخر ما يقذفه الله في قلبك من دعاء في هذه الدنيا،
ثم تلتفت إلى ملك الموت فتقول: "دونك الأمانة، هذه نفسي فخذها".
أتظن أنك لو أتاك مَلَك الموت فإنه يرجئك حتى تصنع شيئاً من ذلك كله؟
كلا، ولا لحظة ولا لمحة، بل يستلّ نفسك من بين جنبيك لساعته، ولو أراد غيرَ
ذلك لما وسعه لأنه مكلَّف بإنفاذ القضاء، وقضاءُ الله إذا جاء لا يؤخَّر،
وملَك الله لا يعصي الله. فانظر أيّ فوز عظيم كنت تناله لو أنك صنعت ذلك
كله، فأنجزتَ الأمانيّ هذه جميعاً، ثم جاءك ملك الموت فأخذ الأمانة، فتوقف
القلب عن الوجيب والنّفَس عن الرجيع، ولم يبق منك إلا ابتسامة على شفتيك
وسِمات الطمأنينة على وجهك، وذلك آخر ما تركتَه للناس لتخبر مَن بقي وراءك
براحة الرحيل.
يا لك من سعيد لو أن الله مَنّ عليك بذلك كله، ولكنها أمنيّات، وأنّى
تتحقق الأمنيات؟ ويا لكِ من سعيدة يا خالتي الحبيبة، يا يمان، فقد فزت بذلك
كله وتحققت لك الأمنيّات.
-3-
رأيتها في المسعى ليلة رمضان, وما تواعدنا لكننا اتفقنا في الميعاد.
ومضت رائحة وغادية في شوطين ولم تبصرني، فهي كانت إذا دخلت في عبادتها صرفت
إليها قلبها وجوارحها، فاعترضتُها في آخر الشوط الثالث ووقفنا معاً قليلاً
عند المروة، ثم مضت ومضيت، وكانت تلك عمرتها الأخيرة.
وقضت رمضان كأحسن ما يقضي امرؤٌ شهرَ رمضان، فخرجَت منه وقد بلّغها الله
الشهر الذي يرجو كل واحد أن يبلغه. وختمَته بصيام أيام من شوال، كان آخرها
اليوم الذي انطلقت فيه إلى مكة لتجيب دعوة إلى عقيقة ابنة أختها، فجمعت
طاعة إلى طاعة، ثم أبَتْ بعد ذلك كله إلا أن تختم بطاعة ثالثة، فرجت زوجها
أن يحملها إلى المسجد الحرام. وحملها نادر إلى الحرم، ففي نفسه من الشوق
إليه كما في نفسها. وطافت كما تطوف في كل مرة، وصلّت ركعتَي الطواف، ثم بدا
لها أن تطوف أسبوعاً ثانياً، سبعة أشواط أخرى، وكأن السبعة الأشواط الأولى
لم تكفِها، أو كأن السبعة الأولى هي تحية القدوم للمسجد، والسبعة الأشواط
الثانية هي الوداع، الوداع الأخير.
أعلَمت أنها الساعة الأخيرة لها في هذه الدنيا وأن ذلك الطواف الثاني هو
آخر أعمالها في الحياة، فمن أجل ذلك طلبته وأصرّت عليه؟ أحدّثَها قلبُها
بأن الرحيل قد أزف حتى تُخرج من حافظتها أوراقاً صغيرة فتخط على كل واحدة
منهنّ رسالة أخيرة لكل واحد من الأبناء والبنات؟ وهي الأوراق التي عثروا
عليها أخيراً حينما انتشلوا الحافظة من وسط الحُطام! وما الذي دعت به في
هذه الأشواط الأخيرة؟ ذلك كله صار اليوم من عالم الغيب.
-4-
إنك تجد رجلاً آتاه الله مالاً فهو يجود بالمال، ورجلاً آتاه الله علماً
فهو يجود بالعلم، ورجلاً يجود بالوقت أو بالرأي أو بالعطف أو بالسؤال
والاهتمام. فكيف لو رأيت واحداً يجود بذلك كله؟ كذلك كانت يمان.
كانت من أجود من عرفت من الناس، إذا أتاها المال احتارت كيف تنفقه، ثم
لا يمضي غير قليل حتى تصرّفه فلا يكاد يبقى منه شيء! وإذا سمعَت بقوم
محتاجين سبقَت يدُها بإخراج المال من محفظتها عقلَها في التفكير بالإنفاق،
وإذا سمعنا بمصرف من مصارف الصدقة فأخرجنا من الجيوب العشرات وجدناها قد
أخرجت المئات، فإذا أخرجنا المئات وجدناها تخرج الألوف، فكانت سابقة أبداً.
ولسوف يفتقدها اليوم أناس كانت تسعهم بما آتاها الله من فضل ومال.
وكانت قد درست وتفقهت في الدين حتى صارت مرجعاً للسائلين والسائلات، فلا
ترد عن هاتفها متصلاً ولو جانبه حسن اختيار الوقت، ولطالما قطعَت عملها
واقتطعت من وقت راحتها لتجيب سائلة أو تفتي مستفتية. ولسوف يفتقدها اليوم
أناس كانت تسعهم بما آتاها الله من فقه وعلم.
وكان يسعها أن تجيب بمقدار ما تقتضيه المسألة من الفقه وتمضي، ولكن
الكثيرات ممن يستفتينها كنّ يجمعن إلى الاستفتاء استشارة، وتخلط الواحدة
منهن مسألتها بمشكلتها، فكانت تنفق من وقتها ساعة أو نحوها في الحالة
الواحدة في المرة الواحدة، ثم تتكرر الحالات وتتكرر الاتصالات... رأيت
كثيراً من ذلك غيرَ مرة، فكانت تقطع حديثها معي، وربما تركت الغرفة كلها
إذا كانت المشكلة التي تعالجها ذات خصوصية وسرية، فلا تكشف سر أحد لأحد ولا
تنشر مشكلات بعض الناس على سائر الناس. ولسوف يفتقدها اليوم أناس كانت
تسعهم بما آتاها الله من حب واهتمام.
لقد فتحت بيتها وقلبها وجيبها لمئات من القريبات والصديقات، ولسوف
يفتقدها اليوم مئات من القريبات والصديقات.
-5-
فكرت وأنا أصل إلى فراشي أخيراً: كم من الأسابيع انقضت منذ بدأت أحداث
هذه الرواية؟ وكم أدهشني أن أكتشف أنها بدأت منذ خمس وعشرين ساعة فحسب!
وصلت عائداً من مكة في الواحدة بعد منتصف الليل، ليلة الجمعة، ونمت بعد
قليل. في الثانية صباحاً أيقظني هاتف لم يكن يوقظني في مثل هذا الوقت،
وسمعت النبأ. لقد تعرضت سيارة نادر لحادثة كبيرة وهي عائدة من مكة، ويمان
في خطر. هببت مذعوراً أدعو الله بالسلامة، وانطلقت بسيارتي كالسهم وأنا
أستعيذ بالله، يطمئني ما أذكره من حوادث كثيرة عرفتها ونجا أصحابها بلطف
الله، وتُخوّفني اللهجة التي أُلقِي إليّ النبأ بها. وهكذا مضت دقائق طويلة
كأنها ساعات، أتراوح فيها بين الأمل والخوف والترقب. فلما اقتربت من
المستشفى، مستشفى الثغر، جاء النبأ الحاسم، كلمات حروفها قليلة قصيرة،
لكنها بطول العمر كله: ماتت يمان، عليها رحمة الله.
سيارة الإسعاف كانت واقفة أمام الباب الرئيسي للمستشفى، وتفضل سائقها
ففتح لي الباب لألقي نظرة على الحبيبة الراحلة. وجهها المطمئن هزم أحزاني
وأشعرني بالأنانية... لقد عاشت ربع قرن مشتاقةً إلى هذه اللحظة، إلى
الانطلاق من قيد الحياة الدنيا واللحاق بالأحباب: أختها الحبيبة التي
سبقتها إلى الشهادة والوفادة على الله الكريم الرحمن، بنان، وأبيها الذي
مضى منذ تسع سنين وترك في قلبها جرحاً لم يندمل قط. وما فتئَت منذ فارقَتها
الأخت ثم فارقها الأب وهي ترنو بنظرها إلى عالم الآخرة، وتستعد للرحيل،
وتتمنى لقاء الله، أثُمَّ أريد أنا حرمانها من هذا كله؟ وما لبثت أن غبطتها
على الرحيل، ورثيت لنفسي الباقية! أما إنه ما كان أليفان قط في هذه الدنيا
فسبق أحدهما صاحبه، إلا كان الذي مضى هو الأوفر حظاً بينهما جميعاً.
حين قبضت على يديها سرى في جسدي تيار غريب من المشاعر والذكريات،
وتلاحقت في الخيال صور ينطبع بعضها فوق بعض، وأحسست بقلبي يغوص وسط الضلوع
وبالعيون تغتسل بالدموع! وسويتها على السرير، وأحكمت غطاء رأسها، وقد سترها
الله بستره فما انكشف منها في هذه الحادثة الفظيعة كلها غير شعرات من
رأسها، فله الحمد. فلما نظرت إلى يدي وجدتها مخضبة بالدم وكأنني قد غطستها
في إناء من مداد أحمر، وأدركت من فوري قوة الصدمة التي تعرض لها رأسها. لا
بد أنها قد فارقت الحياة في لحظات... لقد كانت ملائكة الرحمة في شوق
لاستلام الروح المطمئنة، فما أسرع ما استلّتها وارتفعت بها إلى السماء.
-6-
كانت لها أمنيّة ووصيّة ما تزال ترددها حتى سمعها منها كلُّ واحد غيرَ
مرة: أن يُعجَّل دفنها إذا ماتت. لقد حرصت في حياتها على اتّباع السنة ما
وسعها، وكان اتّباع السنة في دفنها آخر ما تمنَّتْه، وهي الأمنيّة التي
ستغادر بها هذه الدنيا.
كنا قد ركبنا معها في سيارة الإسعاف، وانتقلت بنا السيارة إلى مستشفى
الملك عبد العزيز لإنهاء الإجراءات اللازمة قبل الدفن كما قالوا. رجوناهم
أن يعجلوا بتسليمنا الجثمان لنعجل الدفن. قالوا: لا يخرج الجثمان إلا بعد
انتهاء المعاملة واكتمال الأوراق وصدور تصريح الدفن، وهذا يحتاج إلى ساعات!
قلت في نفسي: إنها ما أرادت بعد موتها إلا استعجال دفنها، وما أرادته لحاجة
في نفسها بل اتّباعاً للسنة، فإن تكن صادقة (وما أحسبها إلا كذلك) فسيصدقها
الله.
وسخر الله لها قوماً صالحين، فبذل مدير الأمن في المستشفى جهده في
متابعة المسألة، واتصل بضابط المرور الذي أمضى الليل بطوله في موقع
الحادثة، فأرسل الضابط الأوراق في سيارة وصلت قبل الفجر بساعة، فشكر الله
لهما سعيهما. ثم رزقنا الله رجلاً صالحاً هو موظف الاستقبال في ثلاجة حفظ
الموتى في المستشفى، بذل في عمله غاية الجهد وأنجز في نصف ساعة ما ينجزه
غيره في ساعات، كل هذا صنعه وهو يؤكد أن الدفن فجراً من المستحيلات، فهو
أمضى في هذا العمل سنوات ويعلم كم تستغرق من وقت هذه الإجراءات. فيا أيها
الرجل الطيب الذي لم أعرف اسمه: اعذرني فقد أغفلني عن سؤالك عنه ما كنتُ
فيه، لكن الله يعرفك ويعرف اسمك، وأسأله أن يعظم أجرك وييسر أمرك ويجزيك
عنا خير الجزاء، وأطمئنك: لقد هوّن الله الصعب وأنجز المستحيل.
وذهبت الأوراق إلى المرور مرة ثانية ثم عادت وقد ذهب ذلك الرجل الطيب
بنهاية نوبته وحل محله رجل ثان، فكأن الأول قد أخذ من الثاني حصته من الفضل
والنبل، فلم نجد في ذلك الآخر غير الغلظة والتكاسل، وكاد إهماله وتقاعسه أن
يفسد الأمر كله، وأنجز في ساعةٍ ورقةً ما كان إنجازها يستحق سوى دقائق. فيا
أيها الرجل الذي لم أعرف اسمه: الله يعرفك ويعرف اسمك، وأسأله أن يجزيك بما
تستحق!
وتفضل علينا سائق سيارة نقل الموتى الذي قطع نومه وغادر بيته في آخر
الليل لينقل الميتة رحمها الله إلى المقبرة، ثم تفضل علينا مرة أخرى حين
وافق على التحرك بها قبل أن يُنهي ذلك الموظف الأخرق الورقةَ الأخيرة التي
لا يكون الدفن إلا بها! فتركنا وراءنا من يأتي بالورقة حين يفرغ صاحبها
منها، وانطلقنا إلى المقبرة، فوصلناها والأذان يُرفع من مسجدها. فيا أيها
السائق الذي لم أعرف اسمه، والذي أبى أن يأخذ على جهده شيئاً فأرانا من
النبل ما لا يجده المرء في كثير من الكبراء والأغنياء: الله يعرفك ويعرف
اسمك، وأسأله أن يجزيك عنا خير الجزاء.
وكاد كل ما مضى من جهد ينتهي إلى فشل حين وجد أمينُ المقبرة أننا لا
نملك تصريح الدفن فأبى أن يفتح لنا الباب، ثم وافق بعد إلحاح على السماح
لنا بالدخول إلى المغسلة لا غير، وقد أعطيناه المواثيق أننا لا نتجاوز
حدودها. وكلمنا الإمام فوافق على انتظارها ولو فرغ من الصلاة، ثم وفى بوعده
فجزاه الله عنا خيراً. وغسلتها ابنتاها وأختها، ثم مضينا بها إلى المسجد
وقد فرغ الناس من الصلاة وجلسوا (أو جلس أكثرهم) ينتظرون حتى صلّوا عليها،
فيا أيها المصلون الذين مكثتم في مصلاّكم حتى منحتموها دعاءكم في الصلاة
عليها: جزاكم الله خيراً.
ثم حملناها وعدنا إلى المقبرة، ولبثنا هنيهة حتى وصل تصريح الدفن
أخيراً، فعندئذ حمل الناس النعش فكأنه يطير فوق الرؤوس، حتى وردنا بها
القبر، وما هي إلا دقائق حتى كانت مسجّاة في اللحد، ثم هيل عليها
التراب.
في تلك اللحظة أيقنت أنني لن أرى يمان بعد اليوم. رحمة الله عليك يا
يمان.
-7-
هذه يمان، الخالة والأخت والصديقة، صحبتها بضعاً وخمسين سنة، فيا له من
عمر طويل ويا له من زمن جميل! كانت تشاركني في آمالها وأشاركها في آمالي،
وكنت أحس بآلامها وتحس بآلامي، وكان يريحها أن تبثّني همها ويريحني أن
أبثّها همي... فأما هي فلا هَمّ لها بعد اليوم، وأما أنا فأي هَمّ لي بعد
اليوم وقد فُجعت فيها؟ لقد صَغُرت همومي وتضاءلت في جنب هذا المُصاب، ولم
أعد أجد من هم غير مرارة الفَقْد والفراق، وهي مرارة سأطوي عليها جوانح
قلبي إلى الممات.
وبعد، فلقد وددت لو أنني كنت اليوم واحداً منكم يا أيها القراء؛ لكنت
إذن دعوت لها بالرحمة، فغنمَت فضل دعوتي ولم أغرم مرارة فقدها، لكنه أمر قد
قدره الله فله الحمد على ما قضى. وأما أنتم فاعذروني إن وجدتم في هذا الفصل
اضطراباً، فإني لأكتب السطر وما أستبين الذي قبله مما يفيض في عيني من
الدمع... وهل كثيرٌ ذرفُ الدمع على أليف ألفته نصف قرن؟
شيئان مَا
عِيبَ البكاءُ عليهما
فَقْدُ الشباب وفرقَةُ الأُلاّفِ
كل شيء واضح ولا زال لساننا يلهج بأن عافها يا رب ولا تحرمنا منها! ثم
نتدارك بألم.. أن الأمر انتهى
كلا لم ينته، لربما هي ارتاحت وتعافت حقا من الدنيا وهمومها، ولربما
يستجيب الله لنا فلا يحرمنا علمها وقربها..
قبل ذهابها للحرم أوصيتها أن تدعو لليلى (إذ كانت تعاني إثر حادث ويعاني
أهلها قلقاً عليها وتألما لألمها)، كانت قلقة عليها تسألني عن أخبارها
دوماً.. فقالت لي: صعبٌ حالها أسأل الله ألا يعذبنا بدنيا.
ووقت الحادث كانت هي الوحيدة التي غادرت سريعا دون أن تتألم كثيراً، إثر
ضربة برأسها، بقي دمها ينزف حتى يصاحبها إلى القبر كالشهداء حقاً! يترك
بصماته وأثره رغم محاولتنا لإيقافه بالقطن والشاش، لكنه أبى إلا أن يكون
حليتها!
لا شيء يعدل الشعور بسخافة الدنيا قدر جسد فارق الحياة! فصار بلا حول
ولا قوة! خدها البارد ويدها التي فارقتها الحياة، وحتى ابتسامتها الدافئة
لكن دون حياة.. كل ذلك كان يجعلني أتلفت حولي، ترى أين روحها الآن؟
نشيج ابنتها وهي تكتم بكائها وتحضنها وتَعِدُها أن تكون كما تحب، وصوتها
وهي تخبرها: لو كنت قريبة تشعرين بنا فلا تقلقي علينا فسنكون كما أوصيتنا!
تكرارها لـ"ماما، لو كنت تسمعيننا فنحن نحبك وندعو لك".. دعواتها من قلب
مكلوم، أشعرتني بأنها بالقرب!
البعض قد يغادر عالمَنا بجسده، لكن تبقى روحه محلقة حولنا.. نشعر بقربه
فنفتقده ولا نفقده! هكذا أشعر اليوم وأنا أكتب رغم غصتي. إحدى طالباتها
تذكرتها حينما دخلت عليهم بعد وفاة الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، كانت تبكي
وفرغت محاضرتها للتحدث عنه وعن الموت، فقالت لهم: البعض بموته تستيقظ أمة!
واليوم الكل يبكيها ويشعر بتقصيره أمام ما كانت تقدمه، وأمام اعتمادهم
عليها.. والكل ينوي أن يتحرك، ووالله أرى لموتها من القوة والأثر ما كان
لها بحياتها رحمها الله.
قرب الثلاجة حيث أصروا على وضعها ريثما تجهز الأوراق، بقيت مع عبادة
نرابط أمام بابها، لعل روحها تكون قريبة فتشعر بنا.. كنت أخفف عن ابنتها
وأخبرها أن أثرها سيبقى بإذن الله.. ثم ألح علي طود بقوة وبكيت وأنا أخبر
عبادة أنها لم تكمل لي بعد عن الثوابت.. وعدتني أن تساعدني، وأن تشارك
بالكتاب أيضاً (كنت أتذكر كيف كنتُ أوصي ألا يتوقف طود مهما حصل لي، وإذ
بها هي من كنت أستمد منها الدعم وأصل إلى الفكرة قد رحلت).
زوجي يخفف عني فيقول لي: لربما انتهت رسالتها وقامت بدورها الذي كتب
لها، عليكم بالمتابعة حتماً.. وسيبقى لمن بعدكم أداور أيضاً.
في العزاء، الكل كان يبكيها كأنها مصابه، فأحتار من سيصبِّرُ من؟!
طالباتها، زميلاتها، من كانت تعطيهم من علمها وفقهها.. الكل يتذكر والكل
يبكي والكل مصدوم ومذهول!
رحمها الله.. لا زلت لا أستطيع الاستيعاب، وكأن الغد سيطوي صفحته لأعود
فأشاركها أفكاري وأحمسها لتبسط أفكارها للعامة!
نعم رحلت شئنا أم أبينا! وغادرت دنيانا الضيقة لعالم أوسع وأروع بإذن
الله.. فنسأل الله لها الرحمة والمغفرة ولمن خلفتهم الصبر والسلوان.
يصعب عليّ اليوم إمساك القلم، أحسّ بأصابعي تتشنّج أو تنشج... وأحسّ
بنزيف القلم يختلط مع دمعي ودمائي!
حين كتب الكلّ عزائك في موقع عائلتنا، لم أستطع....كنت أحسّ أنّ دمي لم
يبرد حين أتخيّل دمك الّذي لم يزل ينزف! رغم أنّي عرفتها كرامة من الله حين
دفنت ودمك يرفض التّوقف، لكنّ جرحك النّازف اختلط مع جراحنا... ودمك يا
حبيبتي لم يزل يختلط بدمائنا، لأنّا حين خسرناك، خسرنا جزءًا من أرواحنا...
قطعة من أجزائنا... خسرنا ركنا من أركاننا. لبنة من بيتنا، حين سقطت أحسسنا
كلّنا أنّ بيتنا الكبير الّذي بناه (علي الطنطاوي)، قد تهدّم فوق
رؤوسنا.
كنت ابنته الصّغرى، لكنّك كنت المثلى! الكلّ يدري أنّنا لا نقول هذا
اليوم لأنّك فارقتنا، فكلّنا نعلم، وتعلمين، كم كنّا نتكئ عليك... بكلّ شيء
نتكئ عليك، بفرحنا وترحنا، بدمعنا وضحكنا، أتعبناك أتعبناك!! حين كان بيتك
لا يفرغ منّا، وهاتفك لا يتوقف منّا، حين كنّا نصرّ أن نشاركك كلّ لحظة من
حياتنا، كنت حكيمة عائلتنا وفقيهة عائلتنا... كنت الطبيب الذّي نلجأ إليه
ليشفي آلامنا!
و الله كنت حين أجلس إليك وأشكو لك همّي، أحسّ بالسّلام يغزوني...
بالطمأنينة والسكينة. قبل يوم واحد من رحيلك كنت أكلّمك، كنت أشكو لك همّي
وتصبّريني، لأفجع والله أفجع كيف فجأة... تركتنا!
يالله كم أتألم أنّي من تسعة أشهر لم أرك، وأنّي كنت أنتظر عطلتي بعد
أشهر ثلاثة لأراك. كيف أستطيع أن أدخل (جدّة) دونك؟ دون أن تدفئي أيّامنا
بابتسامتك، دون أن نجلس نشرب القهوة وبعدها القهوة والقهوة لنتحدّث
ونتحدّث!! كيف آتي دون أن تفتحي لي بيتك وقلبك وتحتارين كيف تسرّيني وإلى
أين تأخذيني؟!
مكانك كبير كبير لا يملؤه غيرك. رحيلك كسر شيئاً فينا.. كما قالت زوجة
أخي الحبيبة، أنّ حياتنا الآن ستنقسم إلى ما قبل رحيلك، وبعد رحيلك! عالمنا
تغيّر... بهتت ألوانه التي كانت تزيّن حياتنا وعائلتنا، ماتت الأفراح التي
كانت تطلّ من أرواحنا، وئدت الابتسامات من على شفاهنا.
آه كم يعتصر قلبي الألم، كم تمنيت لو تشاركت معكم عيدنا الأخير، فرحنا
الأخير، ابتسامتنا (الحقيقيّة) الأخيرة. كنت أتابع معكم برامج العيد أوّلاً
بأوّل، كانت روحي معكم، لكنّ عينيَّ لم تشاهدكم، أنفاسي لم تختلط مع
أنفاسكم، وبعدها... رحلت!!
أعلم أنّك عشت رائعة ورحلت رائعة، أعلم كم كان رحيلك كريماً وعزيزاً،
لكنّه الألم، لكنّه الشّوق، لكنّه... الحزن.
قلت يا حبيبتي أنّ كلّ موت كان يميت جزءًا فيك، جزءًا منك، لنشعر من
جديد نشعر، كيف يموت جزء منّا.
كنّا نحاول التأقلم والعودة لنبض الحياة بعد وفاة (جدّو) الحبيب، لتلحقه
جدّتي! عدنا نحاول من جديد لترحل هدى حفيدة خالتي الشهيدة بنان قبل عام
كامل! كنت حزينة لفقدها، كان الألم يعتصرك والحزن يكويك، ولم نعلم أنّ
الدّور توقف عندك!! لكنّنا نعلم أنّ الله اصطفاك، لأنّ قلبك لم يكن في
دنيانا أصلا، كان دائما معلّقا عند الله تعالى! لكن ممّا يزيد حرقتنا أنّ
الله يرفع العلم بقبض العلماء!! خسارة علمك وفقهك من يعوّضها؟ من سألتجئ
إليه في كلّ حكم أجهله؟ أحسّ بعدك بالضّياع، حقيقة أحسّ بالضّياع، أحسّ
أنّي بفقدك فقدت جزءًا من قوّتي، من فرحي، من صبري! كنت والله أستمدّ منك
طاقة كبيرة خسرتها اليوم! كنت حين أتذكّر بسمتك، كلامك، روحك، أحسّ بمعان
كثيرة تاهت منّي اليوم!
لكنّي أتمنّى وأرجو من الله العليّ العظيم أن تكوني أسعد حالاً مع جدّي
وجدّتي وخالتي، الّذين طال شوقك لهم، وأتمنّى أن يصبّرنا الله على فراقك،
يقوّي عزيمتنا ويعيننا حتّى نلقاك.. فإلى لقاء نرجوه، أستودعك الله الّذي
لا تضيع ودائعه.
تعلقت الأنظار الحزينة بسرب يمام، حلق فجأة فوق المقبرة الصامتة، ليحطَّ
بكل جلال وجرأة فوق القبر الندي، ربما قريباً منه كثيراً
مكث يقرقر، يسبح كما خبر عنه ربه..
لم تفزعه خطوات العابرين الحزانى، ولم تبعده أناتهم وأزيز صدورهم
الملتاعة
وعلى مبعدة خلف سور المقبرة البسيطة جدا، وقفت نسوة متشحات بالسواد
..بعيون غشاها الدمع، وقلوب تصرخ وتنتفض دونما كلل،
يودّعن النزيلة الجديدة على ربها،
القادمة بالنهاية السعيدة، والخاتمة المشتهاة لكل مؤمن.
كانت خيوط الشمس قد بدأت رحلتها الصباحية عبر الأفق المخضب، وكان الجو
لطيفاً هانئاً ساكناً، يردد قلبه البكر نشيد الحزن والحب والرضا:
إنا لله وإنا إليه راجعون
ماتت يمان..
* * *
يمان علي الطنطاوي
ومن لم يعرف علي الطنطاوي من العرب المسلمين فليسارع بالسؤال عنه
واقتناء بعض كتبه.. وإلا فلا حاجة لنا به.
ولدت يمان في دمشق عام 1955 (كان أجدادنا الفخورون العرب يسمون زمن
الجدب سنة، وزمن المطر والخير عاماً)، في بيت النباهة والصلاح وحب الخير ،
وانتقلت في سنواتها الدراسية المبكرة للعيش مع والديها في السعودية في مكة،
لتصبح المملكة وطناً نهائياً، إذ أصبح والدها ( فقيه الأدباء، وأديب
الفقهاء) بعد زمن يسير غير مرغوب فيه في موطنه الأول سورية.
تزوجت صغيرة، وانتقلت للعيش في جدة، وتابعت دراسة العلم الشرعي بعد أن
أنجبت عفراء، من بعد عمرو وعلاء وعبادة.
فبدأت التدريس في جامعة الملك عبد العزيز بعد التخرج مباشرة بصفة
معيدة.
عاشت وفق ما اعتادته بنات الشيخ وما تربَّين عليه: إكرام الضيف والنصح
لكل مسلمة تزورهنّ ويزرنها.. ثم كانت لها دروسها المنتظمة في الفقه
والدعوة، وبخاصة بعد أن حصلت على شهادة عليا من جامعة أم القرى بمكة..
أما ما قدمته من المشورة والنصح والعون لمئات من الشابات والأمهات
والزوجات فلا يعلمه إلا الله ..
كانت صداعة بالحق متمسكة به، تحذّر من الفتن والأهواء، ولا يفوتها
انحراف مهما صغر شأنه عن طريق الاستقامة التي التزمت بها. نحسبها كذلك ولا
نزكي على الله أحداً.
كانت قدوة في حجابها، في كرمها وفي تعاملها، وفي شأن عرفت به جميع بنات
الشيخ الرائد: أنها عاشت سيدة مجتمع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ما حقق
لديها معادلة كانت دائماً صعبة، الجمع السليم بين الدنيا والدين، بين تذوق
المتع الحلال دون شعور معطّل بالذنب، وبين التعبد وأداء الحقوق بقدر
طاقتها..
حباها الله حزماً وسرعة بديهة وعلو همة: صفات تجمعها أيضاً بسائر
أخواتها (عنان وبيان وأمان) وكانت أصغرهن،كما تجمعها بأخت لها (بنان)
اغتيلت سنة إحدى وثمانين على باب دارها في ألمانيا، في حادث أليم شهير.
فكانت رحمها الله تعالى، لا تتكاسل عن واجب، ولا تؤجل سنة من سنن
الإسلام في البر: من زيارة مريض أو تهنئة أو عزاء أو صلة رحم، أو اجتماع
تنشر فيه مبادئ دينها
طلبت من أبنائها معالي الأمور بحزم ومتابعة، كما طلبت من نفسها.
يساندها، ويشجعها وينجدها زوج كريم النفس والخلق، عرفته جدة وأحبته من
أول شبابه (نادر تيسير حتاحت) إلى أن ابتلي بفقدها فصبر واحتسب.
* * *
كانت في واجبها الأخير في مكة، تبارك لابنة أختها مولودتها الأخيرة، في
وليمة ضمت معظم أفراد العائلة الكبيرة وبعض الأصدقاء.
وفي طريق العودة إلى جدة اقترحت المرور على الحرم للطواف، وبعد أن طافت
ورأت ابنتها تصلي ذكرتها بأن الطواف هو تحية البيت الحرام (فلنطف معاً سبعة
أشواط أخرى)
لما عادوا إلى سيارتهم، وضعت الحزام حولها، الساعة تقارب الثانية عشرة
ليلاً.. ولم يبق ليمان على أرضنا هذه إلا نصف ساعة أو أقل.
سيارة تضرب سيارة العائلة، السيارة في محاولة للنجاة تنحرف يساراً
لتصطدم بحاجز شبكي يفصل بين الذهاب والإياب.. طارت السيارة إلى طريق
الذهاب، بدأت السيارات تصطدم بها، ذكر تقرير الشرطة ثماني سيارات، أربعاً
من كل اتجاه..حطت السيارة أخيراً على عجلاتها.. لكن متجهة نحو مكة.
صارت يمان متجهة إلى القبلة.
حل السكون المفزع، وخرجت عبادة ابنة الفقيدة من نافذتها المحطمة لتتفقد
والديها وعمّتَيها.
لم تفهم لمَ يهمل رجال الإسعاف أمها وينقل العمتين ثم الوالد؛ قبل أمها
التي لم تجبها إلا بغمغمات غير مفهومة، وقد غطى دمها مقعدها من خلف
رأسها.
رفعت يمان أخيراً إلى سيارة إسعاف: وبدأت رحلة وداع قصيرة جداً، ما بين
إجراءات الدفن، وتغسيل الميتة التي أوصت دائماً وبإلحاح أن تدفن دون أي
تأخير.
صلوا عليها بعد صلاة فجر الجمعة.. ودفنوها وقد بدأت خيوط الشمس رحلتها
الصباحية عبر الأفق المخضب، في صباح لطيف هانئ معتدل، صادف الثامن عشر من
شوال، ووافق السابع عشر من تشرين الأول أكتوبر.
* * *
كانت زيارة يمان صديقة وحماة لابنتي الكبرى حدثاً جميلاً غنياً لا بد
منه كلما زرت جدة، ومعرفتي بها تعود إلى ما يقارب ربع قرن.
وكان تناول عشاء أو غداء واجباً لافكاك منه ولا مهرب..
كانت أماً أخرى لابنتي ولزوجة ابنها علاء، قد تؤثرهما بما تؤثر به
الأمهات بناتهن، حتى إنها دلتهما على مكان كفنها في خزانة ملابسها قائلة:
ستكون بناتي في انشغال واضطراب يوم وفاتي!!
وعندما هبطت بي الطائرة صباح الجمعة وقد مرّ على دفنها بضع ساعات فحسب،
جعل قلبي يهتف: أحقاً خلت جدة منك يا يمان؟
* * *
وكان في بيت العزاء صور من الوفاء والتصبر والرضا لا يتأتى للكلمات أن
تختصرها إلا بجهد:
الطعام والشراب يرد من حيث لا أحد يعرف، ولا أحد يهمّه أن يُعرف
(أليست سنة الإسلام: اصنعوا لآل جعفر طعاما..)
العشرات تلو العشرات، ولعلي أبالغ في تجنب المبالغة، من الطالبات
والزميلات والصديقات والمريدات.. بعضهن كن طالبات وصرن زميلات (ذكرن
متعجباتٍ أنها مرّت على مكاتبهنّ جميعاً في يوم دوامها الأخير في الكلية،
وسلمت وودعت على غير عادتها) ، بعض البنات كن أقرب إلى سن الطفولة، وحضرن
ثلاثة الأيام.
نسوة كريمات عليهن سمت الطيبة والاستقامة، صبايا مدللات منعمات، عجائز
ذقن الذي ذاق آل الطنطاوي: الدموع تختلط بالبسمات المشجعة، والضمات الصادقة
تفرغ بعضاً مما تلقاه المعزية ومتلقية العزاء، على حد سواء.
بدت بعضهن أقرب إلى انهيار مهذّب يخشى الله، بدت بعضهن أقرب إلى الأم
الملتاعة
جو من الصدق الصافي قلّ أن يعيشه القلب، ونفحات طيبة من الذكرى الطيبة،
مازجت كل لحظة وكل مظهر من تلك الأيام الثلاثة التي خلت من كل ما نهى الله
ورسوله عنه في أوقات كهذه.
أما حزن الأهل فحقاً يصعب تصويره، كان شامخاً جميلاً.. مثل سيرة
يمان..
بين روح الله المؤاسي.. ومدد الرجاء الآسي.. سيرين حتاحت
سيرين حتاحت 25 تشرين الأول، 2008
الساعة الثالثة إلا ربعا صباحا. أختي مارية اتصلت.الضجة خلفها لا تخفى..
وتتكلم من جوال عمرو..
أين أنت؟ ما زلت في العقيقة؟ !!
أنا في المستشفى..خالتي يمان وعمي نادر تعرضا لحادث..
صمت أنتظر التفصيل.. وقلبي محتار بين التوقف والخفقان..
يا ربي..
أنا لا أحتمل..
بدأت أختي الحبيبة تجهش بالبكاء..
ادعي لخالتي يمان..
صرخت ما بها؟
توقعت أن تقول.. حالة خطرة.. غيبوبة..
أصرت.. ادعي لها..توفيت..
صرخت مرات لا أذكر عددها..
مارية ماذا تقولين؟
مارية ماذا تقولين؟
استيقظت ابنتي لبنى مندهشة..
أنهيت مكالمتي مع أختي وأنا أقول: حفظك الله لي يا أختي.
* * *
يا حبيبتي يا خالة يمان.
هل أخبرتك يوماً أني أحبك كثيرا.. جداً.. بكل وجه قرابة.. أو صداقة
أعرفه؟
ابنة عالمنا.. الشيخ علي الطنطاوي.
صديقة أمي مذ كنت لا أعي!
ثم حماة أختي.. بل أمها الثانية..
أم عمرو وعلاء وعبادة وعفراء.. الذين أحسهم أخوتي..
عالمة لا يخفى ورعها.. واستقامتها على جليسها.. ومحدثها.. من بعيد ولا
قريب.
سبحان الله..
أنحرم منك.. في هذه السن المبكرة..
أنحرم من عقلك وحكمتك.. وورعك.. وقدوتك.. ونحن لا زلنا نخطو أولى
خطواتنا في تربية الأبناء وفي بناء عقيدتهم وعبادتهم.. واستقامتهم؟ يارب..
لك ما أعطيت.. ولك ما أخذت..
بعد استيعابي لجزء من المصيبة.. جلست أدعو لها..
لا أظنني دعوت لأحد مثلما أدعو لأبي وأمي وجديّ غيرها..
يا ربي تقبل مني إنك أنت السميع العليم..
كلمت أمي..
كانت تعلم.. ولم تخبرني..
توقفنا عند تحية الهاتف..
هل من كلمات.؟
ثم نطقتُ من بين دموعي..
- أمي تعالي عندنا..
- أجمع أغراضي يا حبيبتي..
أوصتني أن أصلي.. لتهدأ نفسي..
- ادعي لها يا حبيبتي..
* * *
تذكرت كم تمنيت زيارتها بعد عودتي من إجازتي الصيفية.. لكن ما سمعته من
أختي عن ظروف البيت.. جعلني أمسك عن هذا الطلب.
ندمت أني لم أسمع صوتها منذ زمن..
ولم أجلس معها منذ زمن..
كنت أجمع استشاراتي الشرعية.. وأسألها عندما أزورها..
تكرمني كثيراً لدرجة تخجلني..
تمنيت لو تستطيع معاملتي كما تعامل أختي.. كواحدة من أهل البيت.. لكن
أقدر صعوبة ذلك على كريمة معطاءة مثلها..
* * *
بعد أذان الفجر.. فتحت نافذة غرفتي وتأملت هدوء الحياة في هذه الساعات..
وتذكرت أنه فجر الجمعة..
ووداع الخميس..
قدمت آخر أعمالها يوم الخميس، يوم ترفع الأعمال إلى الله.. ختمت يومها..
في الحرم.. يالها من كرامة وإكرام!
دعوت لها مرة أخرى..
دعوت لأحبابها.. صورهم تمر علي كشريط سريع..
أحبابها كثر.. أتخيل الوجوه.. وألهج بدعائي..
لو كان في البيت أحد غيري مع ولدي لركبت أي سيارة وطرت إليها..
لأودعها.. وأصلي عليها..
سبحان الله..
نصلي في الحرم على كثير.. لا نعرفهم..
واليوم..
لأول مرة.. أتشوق لصلاة على حبيب ولا أدركها..
* * *
في الأيام التالية لوفاتها..
بدأت بشائر حسن الخاتمة تظهر.. بشرى بعد بشرى..
تثلج الصدر.. وتهدئ وقع الفجيعة على قلوبنا..
علامات كثيرة..
طوافها مرتين في الحرم..
وفاتها صباح الجمعة..
نزفها الذي يبشر بالشهادة..
كثرة تواصيها لمن حولها في أيامها الأخيرة..
رسائلها لأبنائها.. وكأنها على موعد مع الملائكة!
سرب الحمام الذي غطى قبرها الندي.. ولم يخف مرور المارين!
أليست كل الكائنات وحتى الجمادات تسبح ربها؟
استيقظ هذا السرب فجر الجمعة.. ليودع خالة يمان.. بذكر لله لا
نسمعه..لكن نوقن به.
كم أغبط هذا السرب!
* * *
أتوق الآن للجلوس مع كل قريب.. لأسمع منه عن حياتها..
كيف كانت في هذا الحال أو ذاك؟
تفاصيل قد تساعدني في حذو قدوتها.. وتؤملني بالفوز بما فازت!
* * *
تفاصيل ساعاتي مع الخبر.. لا تهم طبعا..
لكنها ربما طريقة أغلبنا في التدرج إلى جوهر الفقد . . وتعاملنا معه..
وتخيلنا للحياة بعد الفقيد.. رغم أننا لا نستطيع الإفصاح عن ذلك في سطور
وكلمات.
الحب يبقى في القلب.. والدعاء لا يعلمه إلا الله.. ولا يجيبه غيره.
يا رب..
أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن..
وسعت كل شيء رحمة وعلما.
يا رب أوسع مدخلها..
وافرش لها من فرش الجنة.. وألبسها من لباسها..
وأنعم عليها بنسمات من ريح الجنة..
وأظلها تحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك..
واسقها من حوض نبيك شربة لا تظمأ بعدها أبداً..
وأدخلها الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. وحسن أولئك
رفيقاً.
ماذا أقول ودموعي تغطي على رؤياي وأنا أكتب هذه الكلمات...
كيف أبدأ؟
أتخيلك الآن وأنت تستقبليننا في منزلك بابتسامة جميلة هادئة وكل واحدة
تظن أنها المفضلة عندك...
نبدأ الدرس الأسبوعي بسؤالك عنا باهتمام وإنصات حتى نفرغ ما في قلوبنا
بأسلوبك الحنون، نتناقش بعدها حول مواضيع عن علاقاتنا الأسرية، والعملية,
وما نراه في السفر وذلك حتى يكتمل عددنا فنبدأ درس الفقه...
أتذكر كيف كنت أجمع تساؤلاتي حول حال الناس وانتظر بفارغ الصبر اجتماعنا
حتى أتناقشها معك وأستمتع بالحوار الراقي والنقاش الفكري...
درسك كان مليئا لدرجة أننا كنا نخاف الالتفات أو التعليق لبعضنا حوله،
خوفا من ضياع كلمة أو شرح أثناءها...
كنت تتكلمين وكأن لسانك لا يستطيع اللحاق بعقلك من كثافة المعلومات
وتدفقها...
عندما نسألك عن أمر ما، لم نشعر قط أن سؤالنا غير مناسب، كنت دائما
تفكرين مليا به وتعطيننا الشرح الكافي له...
كنت تفاجئيننا أحياناً بقالب الكعك المزين الفاخر احتفالا بإحدى
الحاضرات سواء بسلامتها من عملية، أو بخطبتها أو بزواجها أو بأي مناسبة
أخرى.
تعلمت من درسك الذي كان عن فقه العبادات على المذاهب الأربعة، المرونة
في الحكم والابتعاد عن الجمود وأن هناك طرقاً مختلفة للعبادة الواحدة وكلها
صحيحة بشرط أن تكون حسب المذاهب المعروفة، مما جعلني أكثر لطفا وتفهماً مع
الناس في المساجد وأثناء سفري. مع أنك كنت تطبقين على نفسك أحياناً أكثر
الفتاوى حزما ابتعادا عن الشك وزيادة في التقوى...
تعلمنا في التربية أن ما هو غير مقبول من سلوكيات في سن العشرين لن يقبل
في سن السنتين والنصف، تعلمنا أن الثوابت لا يمكن اللعب بها وأن من أثبتها
بعد الأركان مبدأ "إنما المؤمنون أخوة"، وأن الحق لا يمكن أن يستهان به أو
أن يتحدث عنه بخجل بل بقوة لأن "الدين عند الله الإسلام" وأن "إن الحكم إلا
لله".
تعلمنا أن هناك ثلاثة أمور يجب أن يعيشها المؤمن: التسليم، والعمل،
والتعميق الشرعي في كل فترة من فترات حياته.
عندما جاءني الخبر شعرت أنني في ضباب غير مفهوم ولم أستوعب الخبر لعدة
ساعات رغم ترحمي عليك والاستغفار لك ...
أعلم أنك بإذن الله في حال أفضل من هنا، إن شاء الله مع العليين
السابقين المقربين، في روح وريحان وجنة نعيم، مع أحبائك الذين سبقوك والذين
يستبشرون بقدومك لهم.
لكنني أحزن على حالنا بعدك، نحن الذين مازلنا هنا وقد فقدنا قدوة
وأستاذة ووالدة وفقيهة وناصحة وصديقة وأختاً وشخصية متميزة في أخلاقها
وعلمها وحبها وحب الناس لها...
لذلك أقول حسبنا الله ونعم الوكيل... رحمك الله يا خالة يمان ونور لك
قبرك وجعله روضة من رياض الجنة وجعلك ممن يستبشر الرسول صلى الله عليه وسلم
بقدومهم عند الحوض ويسقيك من يده الكريمة وأسكنك الله بجوارالرسول الكريم
في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء وجمعنا جميعنا معك إن
شاء الله...
أحبك... وأحب فيك أنك كنت الوحيدة التي تذكرتني ببطاقة معايدة عندما كنت
طفلة صغيرة، فحفظتها داخل صفحات كتابي، وظللت أقرأ ما سطرتيه يوماً بعد
يوم، وسيظل منظر الرضيع المبتسم الملفوف في منشفة زرقاء في خيالي...أثرٌ
جميل منك!
أحبك... وأحب فيك التفافك برداء والدتك ولعبك بالحبل في بيتكم في قاسيون
-وقد عُقِدَ عقدك- وانت لا تلقين بالاً إلى ما تعارف عليه القوم من ضرورة
التحول إلى المسلك الجاد بين يوم وليلة...أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك مرحك وضحكاتك, وحنينك الى البعيدين من أهلك، وتأثرك
إذا سمعت ما يهيج الشوق إليهم، وحماسك إلى لقائهم إذا ما أتيت دمشق،
ذكرياتٌ تلوح من ذاكرة الطفولة... أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك تعاطفك وإغاثتك للملهوف في الفرح والحزن، ومدك ليدٍ
تعين بلا حدود، وكشفك عن رقة قلب مخبأة، فعيناك الدامعتان عندما رأيتِ ضعف
أمي لا تغيبان عن بالي، ووقوفك إلى جانبي عندما صفعني الموت في والدتي
-رحمها الله- سيظل محفوراً في داخلي، فكنت أنت من رافقني لساعات في الجلوس
معها، وكنت أنت من قام بتغسيلها، وكنت أنت من تابع المشوار معي، فكنتِ
بوسائلك الذكية الصامتة خير مشجع لي على أن أستمر بتحويل الألم إلى طاقة
إيجابية منتجة تفيدني وتفيد من حوليَ في الدارين... أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك حرصك على العلم، والبر، وأبرِّ البر، وتسابقك في
الخيرات، وتأكيدك على عمل الواجبات مرورًا بمصفاة الأوليات، ودأبك على بلوغ
الكمال في كل صغيرة وكبيرة سواءً فيما يخصك أو يخص من حولك، باذلة ما في
وسعك لمجاهدة الأثرة وبلوغ الإيثار، بمثابرة لا تقف أمام العوائق والآلام،
وبصبر جميل لا يعرف الشكوى... أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك زياراتك التي لا تخلو من الموائد: مائدة الكرم، و
مائدة العلم، ومائدة التأمل ومراجعة النفس. وأحب فيك ودَّك الذي لم ينقطع
بانتقالك إلى حياة البرزخ، فها أنت تزورينني في المنام، وها أنا أحب أن
أرسل لك هداياي علَّها تصل إليك بإذن الله، لله ما أَشَفَّ هذا الجسر بيننا
الآن! فإن كانت زياراتك في الدنيا يمناً، فقد صارت زياراتك ليَ الآن في
الرؤى يُمْناً وأُنْساً وبُشْرى لما أرى فيها من علامات على حسن المآل،
وتحفيز على إتقان شد الرحال...أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك حرصك على أن تتركي ثلاثة الآثار التي تضمن عدم انقطاع
العمل على أحسن وجه: العلم الذي ينتفع به، والصدقة الجارية، والولد الصالح
الذي يدعو... و أحب فيك أنك ما وُجدتِ أو ذُكرتِ فإنك تستثيرين في النفس
أجمل الفضائل، وتصعِّدين الهمة إلى أقصى المعالي، وتعينين على بلوغ التوازن
بين أداء حق رب العباد وحق العباد، سواء عندما كنت في حياة عابري السبيل أو
عندما انتقلت إلى دار الحيوان...أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك أن جهدك لجعل الحياة أجمل في عالمك الخارجي بتعليم
الآخرين ونُصحهم كان يوازيه جهد أجمل كنت تبذلينه في داخلك للارتقاء
بتدريبٍ ومجاهدةٍ متواصلين، وستظل جهودك دائماً وأبداً تؤثر في الآخرين لما
كان يقف وراءها من صدق نية وصفاء إخلاص... وأحب فيك نضجك الداخلي المستمر
الذي رعيتيه بالتوقف عند المعاني العميقة الجديدة عليك والتأملِ فيها، ولم
تكتف باستعراض ما تعرفينه، فكان هذا منك تيقظاً واعياً للقلب
واللُّب...أثرٌ جميل منك!
أحبك... وأحب فيك {إني مهاجر إلى ربي سيهدين}، وأحب فيك {ففروا إلى الله
إني لكم منه نذير مبين}، وأحب فيك {وابتغ في ما آتاك الله الدار الآخرة ولا
تنس نصيبك من الدنيا}، وأحب فيك {اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه
يراك}، وأحب فيك "أما سلكتَ طريقاً ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملتَ؟ قال:
شمرتُ واجتهدت؛ قال: فذلك التقوى"، وأحب فيك "أكثروا ذكر هادم اللذات"،
وأحب فيك "إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها". أولا يكفيك أن منطقك
يزيد في العلم، وعملك يُذَكِّر بالآخرة، وأنك ما فتئت إن ذكرت ذكر
الله؟!... يا له من أثرٍ حميل منك!
أحبك... وأحب فيك أنك جعلتني أحبك، وأحب عملك، وأحب من أحَبَّك، وأحب
صورتك المشعة وأنت في زيارتك لي في مكة، وأحب فيها ابتسامتك وقميصك الزهري
الذي كنت ترتدينه، وأجدها الصورة الوحيدة التي تقفز في خيالي عندما أذكرك،
فترتسم الابتسامة في روحي، وأحب أن أضم ذاك القميص فيصبغ أيامي بلون زهري
لأني عرفتك، ولأني من أهلك، ولأنك تشجعينني على أن أعمل بسننك الحسنة،
ولأني آملُ أن تذكريني وأنت في مرتبتك العالية في الجنة -إن شاء الله-
فتدعينني إليها، و"المرء مع من أحب يوم القيامة"...و أنت قد عودتنا منك
الآثار الجميلة... فهذا أثرٌ جميل سأظل أنتظره منك!
جعلك الله مع الأبرار الذين ينعمون بـ{أولئك الذين نكتب ما قدموا
وآثارهم}
وجعلك ممن لو خيروا لما اختاروا أن يعودوا لهذه الدنيا لما يجدونه من
النعيم ومجاورة النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
كتب كثير من محبّي وطالبات يمان علي الطنطاوي يرحمها الله خواطر قصيرة
تفيض عاطفةً ووفاءً، امتلأت بها كثير من المنتديات على الشنكبوتية (الشبكة
العنكبوتية). ونفتتح هذه الخواطر بكلمة قصيرة للأستاذ عصام العطار.
ولصعوبة تجميع ومتابعة ما تناثر على صفحات المنتديات وما سيتبعه لاحقاً،
ولأن الكثير منها كتب بعاميّة عفوية صادقة، نرجو ممن كتب شيئاً أن يبعثه
إلينا بلغة عربية صحيحة لننشره في هذا الموضع (وذلك باستخدام زر المراسلة
الذي بجانب زر الإضافة إلى المفضلة).
* الأستاذ عصام العطار
بسم الله الرحمن الرحيم
فجيعة صاعقة مزلزلة لا يثبت لها، ولا يصبر عليها، إلا من عرف الله حق
معرفته، و آمن أرسخ الإيمان بقضاء الله وقدره، ورجا لفقيده ما نرجوه
لفقيدتنا وحبيبتنا الغالية يمان من الرحمة و المغفرة ومنازل الكرامة عند
الله عز وجل؛ فقد كانت على امتداد حياتها -ما علمنا- فتاة طيبة صالحة،
وزوجة طيبة صالحة، وأما طيبة صالحة، ونبعاً من المحبة والنصيحة والخير يفيض
على من حولها من الناس.
لقد انتقلت يمان من عيوننا إلى قلوبنا كما انتقلت اختها بنان، وستعيش
معنا سائر حياتنا نأنس بها ونتعلم منها... إلى أن يجتمع شملنا من جديد في
ظل رحمة الله عز وجل.
رحمك الله يا يمان.
و نسأل الله الصبر و الأجر لزوجك الوفي الأخ نادر وأبنائك الأعزاء عمرو
وعلاء وعبادة وعفراء وسائر أسرتك الصغيرة والكبيرة.
و إنا بعدك يا يمان لمحزونون.
* الأستاذ سعيد بيومي
(مدير مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي، آسيا الوسطى -قيرغيزيا)
يــا دمـع مالـك منســاحاً مـن المقـل
تبكـــي فراقــاً أم وقفــاً على طَلَــلِ
إن تبـكِ حقـاً فـراقَ الـروح للجسـد
فالصـبر يجمـع ما عـزَّ على الوصْــلِ
مـاذا دَهَــاكَ رويــداً لا تكـن عَجِــلاً
واذكــر فـــراق حبيــب الله بالأمــل
أمـلِ الكـرام على الرحمـن يجمعهـم
روحٌ وريحـانٌ مع المختـار في الحلل
هــذي يمـــــانُ الخيـر قد رَحَـلَـتْ
إلـى الجِنَـــانِ بحــولِ الله والطَــوْلِ
ذات الصـلاح وبنـت العلـم والكـرم
إنَّ المصــاب لفقــد العلـم ذو جَلَلِ
لله دَرُّكِ! مــــــنْ أمٍّ وداعيـــــــــةٍ
تركـت فراغـــاً لم يتركــه ذو فَضْـلِ
سـقت عِظامَــكِ يـا أمــاه رحمــاتٌ
حتى اللٍّقـا في ظلِّ عرشِ ذي العـدلِ
علـى جَـــدَثِكِ يـا أمـــاه دَمْعَـــاتٌ
حتى الرجــوع إلـى الرحمـن للفصلِ
بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن منتسبي مكتب الندوة العالمية للشباب
الإسلامي بقيرغيزيا، ونيابة عن كل المستفيدين من المشاريع العظيمة التي
أقيمت بدعمكم السخي، أقدم لسعادتكم في هذا الحدث الجلل، والمصاب الأليم
أحَرَّ التعازي وأصدق المواساة في الفقيدة الكريمة، متضرعا إلى المولى جلت
قدرته أن يتغمد فقيدتنا الغالية بواسع رحماته، ويسكنها جنة الفردوس، وأن
يثيبكم الله تعالى، ويلهمكم الصبر، ويعينكم على تحمل هذه النازلة، وأن يجعل
من ذريتها عونا وأملاً، فالله يمتحن عباده الصالحين، وبذلك امتحنكم فاصبروا
على قضاء الله وقدره ولا تجزعوا على ما أصابكم فالله عنده حسن المآب، وإليه
نضرع وعليه نتكل، ونحن نعزي أنفسنا قبل أن نعزيكم فالمصاب مصابنا، ولكن
يُصَبِّرَنا أن الفقيدة كانت ذريةً صالحةً، لخير سلف صالح، تركت بصماتها في
كل ميادين الخير من عبادة وعلم وصدقة وإحسان، ونسأل الله تعالى أن يكون هذا
الفضل والأجر في قبرها نورًا وإلى الجنة دليلاً وشاهداً، فالخير الذي قدمته
لا ينقطع إلى يوم الدين، وأثره باقٍ، {إنا نحن نكتب ما قدموا وآثارهم}
وبهذا يزداد ثقل ميزانها عند ربها سبحانه وتعالى، فيبقى سِجِلُّ حسناتها
مفتوحاً، وتبقى في ارتقاء للدرجات مع الصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ
أولئك رفيقاً.
{و بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة
قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}
* محمد بهاء الدين الخطيب
إلى... كل من عرفها... لن ينساها.
إلى... كل من سمع بها... أفجعه فراقها.
إلى... كل من سيسمع عنها... يدعو بالجنان لقاءها.
إلى كل قريب... إلى كل حبيب...
لم أستثني البعيد ولا البغيض، لأن البعيد عنها قريبٌ لها... حبيب...
كلمات أصابها الصمت... أياماً... وأياماً.
لكن مثال روحها وأُلْفِها، وجُودِها ماثلة عياناً.
مثل كبير أختها عناناً.
لا أحد يختلف في حسن خلقها فلكُم في أوسطهم بياناً.
وفي صغراهم اليوم جودًا وأماناً.
وفي سابقات الأجر والعلا بناناً.
أنت لنا مثالاً.. دنيا وأخرى يُمنًا ويمانًا.
فيا ربِّ... أسكنها فسيح الجنان.
صبِّرنا... على الفراق... على الشتات.
ويا ربِّ اجمع شملنا في أعلى الجنان... مع الأفاضل والأكارم... الأمهات
والآباء... والأبناء الخل والخالات. آمين اللهم آمين
كونٌ ومدار،
ومشارقُ تذوي خلف يمان،
ترســم ذكراها، طيف محياها،
غســقًا موموقًا من غير قرار.
الكون هباء منثور،
والعيش خبال مقدور.
لو كان الكون بدون لقاء بعد فراق،
لو كان الكون بدون مدار...
بدون جِنانٍ فيها اللُّقيا بعد غياب يمان...
عظم الله أجرنا جميعاً فكلنا في المصاب سواء،
وأسأله تعالى أن يلهم الأهل والأحباب الصبر والسلوان،
وأن يدخل فقيدتنا الجنة والرضوان،
وأخص بالذكر فضيلة الأستاذ الشيخ نادر حتاحت، اللهم ألبسه ثوب الشفاء
والعافية، وصبره واؤجره على بلواه، ولكل أفراد العائلة الكريمة فردًا
فردًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
* الدكتورة فاطمة عمر نصيف
يمان أختي الصغيرة
التي لم أتمتع بصحبتها كما ينبغي أدعو الله أن يجمعني بها في مستقر
رحمته. فنجلس سوياً طويلاً لا يفرقنا شيء ولا يحول بيننا عمل ولا ولد.
وهذا وعد الله ولا يخلف الله الميعاد.
أختي أحسبك تقية نقية مخمومة الصدر ولا أزكيك على الله لذلك ختم الله لك
بخير، الطواف بالبيت، وهذا كان آخر طاعة تقربت بها إلى ربك ثم طفت مرة أخرى
وكأنك تودعين البيت ثم بلغك الله الشهادة في ليلة الجمعة فهنيئاً لك بما
وعدك ربك ونبيك صلى الله عليه وسلم.
لا أبكيك اليوم فأنت إن شاء الله منعمة عند ربك ولكن أبكي أحوال
المسلمين الغافلين عن حقيقة الموت ، وأبكي من ألم الفراق وأسأل الله أن
يجعلني ومن يحبك من الصابرين.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
* طارق هاشم وصفاء البدوي
إنا لله وإنا إليه راجعون... "ماتت ماما يمان"، سمعتها عند الثانية
والربع ونحن في طريقنا إلى المستشفى، سمعتها من الأخ علاء فخالة يمان زوجة
خال زوجتي.
كنت ومازلت أحب الشيخ علي رحمه الله مع أنني لم أزره إلا مرة واحدة في
عيد الفطر من سنة 1417هـ، وكان حلمًا من أحلامي التعرف عليه من قرب فإذا بي
يُعقد قِراني في بيت الخال نادر-صهره- وكأنني أعقِدُ قراني على ابنتهم
فعلاً.
رحم الله خالة يمان... كم كانت ترحب بي وبصفاء -زوجتي- وكانت دائمًا
تتصل بنا وتسأل عنا لأننا في بداية حياتنا الزوجية. سبحان الله أنا الذي لم
يمضِ إلا أحدَ عشرَ شهرًا على عقدي و صلتي بخالة يمان -الحلم الذي حققه
الله لي- تأثرت لموتها وتذكرتُ الشيخ علي فبفقده فقدنا الوسطية والفكر
والأدب ومحاربة البدع والخرافات، اللهم يارب الأرباب صبر قلوبنا على مفارقة
العلماء الذين تركوا بصمات في الأمة الإسلامية.
لطالما أخبرتني زوجتي أن جزءًا كبيرًا من حياتها تمثلهُ خالة يمان فهي
أمها الثانية وكم كانت تكلمني عنها وعن فكرها وتطبيقها للشريعة المطهرة
وتتبعها للسنة رحم الله الشيخ علي وخالة بنان الشهيدة وخالة يمان
الفقيهة.
عندما وصلنا مشفى الثغر في مشروع الأمير فواز كان خالو نادر وحماتي
فاقدَيْ الوعي وأولُ من رأيت وقلبي ينبض كثيرًا ويخفق بسرعة الأخ علاء
ابنها الثاني، فاحتضنته وصرت أبكي إذ تذكرت موت والدي رحمه الله من ستِّ
سنوات، وموتَ عمتي، الجرحِ الذي لم يلتئم من عامٍ ونصف عليهم رحمة
الله.
أرجوكم يا قراء ألا تبخلوا على الأستاذة يمان بالدعاء لها وبالصبر
لأهلها فهم أبلغ من يتكلمون عن أخلاقها الراقية جدًا، والخيرُ والبركةُ في
أمة محمد وفي أحفاد الشيخ علي، وخاصة أولادها وأتشرف بأن زوجتي كان لها في
تربيتها وتوجيهها نصيبٌ في بيت خالة يمان عليها رحمة الله. وكم تمنيت
الصلاة عليها ولكن ظروفنا في المستشفى لم تسمح وكم كانت حرقةً في قلب زوجتي
أنها لم تستطع الصلاة على أحب مخلوق إلى قلبها بعد أمها...
اللهم ارحم خالة يمان رحمةً من عندك يارب يارب يارب...
* كريم علي
والله الذي لا إله إلا هو عندما قرأت الخبر شعرت بنفس الشعور الذي أحسست
به عندما فقدت عزيزًا من أقاربي...
أنا بصدق أستطيع أن أقول بأنني تربيت على كتب الشيخ علي الطنطاوي، وأحس
في قرارة نفسي أنه أبي الروحي الذي غرس في نفسي المعانيَ السامية، وأشعر
بالامتنان له على ما أعطاني من أخلاق وحُسْنِ بيان، وحبٍّ للأدب
والشعر.
وكم بكيت وذرفت الدموع على وفاة بنان رحمها الله، لقد بكيتها كثيرًا
والآن أختي الثانية يتوفاها الله عز وجل... أنا لا أبالغ لأني أشعر أني فرد
في هذه العائلة، مع الفرق الشاسع في المكانة والفضل والعلم.
لو استرسلت مع مشاعري فلن أتوقف عن الكتابة قبل عشر ساعات على الأقل،
والله وحده يعلم كم لكم يا آل الطنطاوي ويا آل العطار في نفسي من التبجيل
والحب في الله، وأسال الله أن يجمعني معكم في عليين.
وتقبلوا تعازيَّ القلبيةِ وإن كنتُ جديرًا بالتعزية مثلكم على المصاب
الجلل. والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته.
* طالبتها خلود القيسي
أبحث عنك في وجوه
البشر
يا لرهبةِ الخبر على قلبي... لم أصدق ما سمعت، أسرعت أركض إلى مكتب د.
يمان لأجده مغلقًا... وهوَ من قبلُ دائمًا مفتوح... حينها الدنيا بوسعها
ضاقت بي. وتذكرت كلامها عن القضاء والقدر، سبحان الله، الشيء الوحيد الذي
لم أنسَهُ الإيمانُ بالقدر خيرِهِ وشرِّه.
يمان نبراسُ العلم، ألتفت يُمنةً ويُسره... أحاول أن أجد ابتسامتها في
وجوهٍ هنا وهناك.
الله يرحَمُكِ ويغفِرُ لكِ ويُسْكنُكِ فسيحَ جناته.
يا أرحم الراحمين، هذه الإنسانة علمتني دينك، ياربِّ بجهدها وإخلاصها،
فاغفر لها وارحمها وأدخلها الفرودس بلا حساب وعقاب.
كم أثَّرَ بي مقالُ ابنتها وأختها.
عظم الله أجركم
كنت أتمنى حضورَ العزاء لكن ما عرفتُ العنوان.
آهٍ ثمَّ آه... يا أستاذتي الرائعة.
اللهم ارزق أهلها الصبر والسلوان واجبر كسرهم.
* أيمن أحمد ذو الغنى
ببالغ الأسى والحزن تلقَّيت خبر وفاة خالتكم يمان، أم عمرو...
ابنة الشيخ الحبيب إلى قلوبنا علي الطنطاوي رحمه الله...
وقد وصل إليَّ الخبر متأخِّرًا...
ولو علمت في حينه لما أبطأت في القدوم إلى جُدَّة معزِّيًا ومساندًا..
إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بقضاء وأجل..
أحسن الله عزاءكم، ورحم خالتكم، وأعلى منزلتها عنده..
وإني بعد أن قرأت ما سطَّرتموه في كلمة الوداع، لأغبطها على ما حازت..
فإن وفاتها وما كان منها قبيل الوفاة ليبشِّر بخير عظيم..
حتى إن المؤمن ليرجو ميتة كميتتها، في أعقاب عبادات وأعمال صالحة...
وهذا حقًّا ما يسلينا معشر المؤمنين عند فقد الأحباب، ومفارقة الأُلاَّف..
فقدًا ومفارقة لا لقاء بعدها ولا اجتماع..
يسلينا ثقة كبيرة بربنا الكريم، أنه لن يضيع أجر من أحسن عملاً..
بل سيضاعف للمحسن الأجر أضعافًا بعد أضعاف،
كيف لا والمعطي كريمٌ كريم جوادٌ جواد!
حين نودع عزيزًا علينا إلى ديار الخلود.. محفوفًا ببشارات الخير والقَبول..
فإن حزننا على أنفسنا وتخوفنا من ألا نموت على ما مات لهو أشد من حزننا عليه..
إنه الهاجس الممض الذي يعتمل في النفس الشفيفة يخفق لها الفؤاد ويئن خشية وحذرًا..
ففي تحديث جذري، في الشكل والمضمون، لهذا الموقع: الموقع الرسمي للشيخ علي
الطنطاوي، تخرج عليكم هذه الصفحات، في الذكرى السابعة لوفاته رحمه الله، بثوب
جديد، ومضمون نافع، من الكثير النافع الذي تركه الراحل العزيز.
تجدون بين أيديكم في قسم "مؤلفاته"، بالإضافة إلى التعريف
بكتبه وسرد محتوياتها، النص الكامل لمجموعة من كتبه، ستضاف إليها قريباً مجموعة
أخرى بإذن الله.
وقسم "كتابات عنه" يضم الآن أكثر ما كتب عنه ونشر بعد وفاته في
الصحف والمجلات، في قائمة مرتبة زمنيّاً، مربوطةً بالمقالات، التي وفرناها في
هذه المرحلة على هيئة صور ممسوحة ونتطلع لتوفيرها لاحقاً في هيئة نصية يمكن
البحث في محتوياتها. ومع ذلك فقد وفَّرنا قائمة أبجدية بالمقالات وأخرى
بالكُتَّاب، يمكن البحث فيهما عن مقالة معينة أو كاتب بذاته لتظهر كل كتاباته
في هذا القسم.
نستغفر الله أولاً وآخراً، ونستميحكم عذراً عن كل نقص وتقصير. ونرجو منكم
ألا تبخلوا علينا بنصحكم وملاحظاتكم ومساهماتكم، بإرشادنا إلى نقص ترونه أو
تحسين تجدونه أو إضافة تقترحونها، أو تمدون لنا أيديكم بعون، بأن تزودونا بأية
مقالات أخرى كتبت عنه غير مدرجة في الموقع، مما لم تصل أيدينا إليه، أو بنصٍّ
مدخل للمقالات التي وفرناها الآن على شكل صور ممسوحة.
ونرجوكم أولاً وآخراً الدعاء لصاحب هذه الصفحات،
رحمه الله رحمة واسعة وأجزل له الأجر.
* 4 ربيع الأول 1424هـ، 5 أيار 2003م
وفي البداية كانت كلمة
بعد تأخير وتقصير، نستغفر الله منه، ونستميح صاحب هذه الصفحات رحمه الله
العذر فيه، ونعتذر إليكم جميعاً عنه، يخرج هذا الموقع إلى النور، على أن يستكمل
تدريجياً بعون الله.
يخرج هذا الموقع بعد مضيّ أربعة أعوام على رحيل الشيخ علي الطنطاوي، وبعد
مضيّ عامين وشهرين على رحيل زوجته وأمّ بناته، التي لحقت به بعد سنة وعشرة شهور
من رحيله، وبعد اثنتين وعشرين سنة من رحيل ابنتهما الشهيدة بنان، رحمهم الله
جميعاً.
رحم الله الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة، وتقبّل منه عمله، وجعل كل كلمة
قالها أو كتبها، علّم فيها علماً أو دعا فيها إلى خير، وكل خطوة خطاها في
سبيله، في ميزان حسناته، وغفر له ذنوبه، ووسّع له في قبره، وجعل مثواه الجنة،
مع النبيّين والصدّيقين والشهداء.
نرجو من كل زائر لهذا الموقع أن يدعو لصاحب هذه الصفحات بالقبول والمغفرة
والرحمة.
نحن في هذا الموقع لا نشجع احتكار التقانة، ولا نحب تشجيع
المحتكرين، ولذا فقد بذلنا جهدا ضخما لجعل صفحات هذا الموقع تُعرض بشكل
مقبول، على المتصفحات الأخرى غيرِ متصفح مايكروسوفت، وتلك المتصفحات هي
بشكل رئيسي: متصفحا أوبرا وفايركس. لكن، ونتيجة لدعم تلك المتصفحات
المتواضع للغة العربية في الجملة، والأرقام العربية، فإننا
نظل نعترف بقصورها عن عرض صفحات هذا الموقع بشكل مرضٍ.
إن أبرز العوائق الحالية هي تفرد متصفح مايكروسوفت في قدرته على
قراءة وعرض الخطوط المضمنة، وهي وظيفة تهم هذا الموقع كثيرًا، وكل موقع
عربي يتطلع إلى أحرف واضحة واستثنائية النوعية في مقاسات العرض الصغيرة
وفي الطباعة، وهو أمر عسير مع الخطوط القياسية التي توفرها أنظمة
التشغيل المعربة.
ولتبرئة الذمة، فقد حاولنا استخدام تنسيق الخطوط المضمنة الذي
ابتكرته شركة bitstream بالاعتماد على ما تتيحه مُسودة مواصفات CSS
الثالثة، لكننا ووجهنا بخيبة أمل كبيرة عندما وجدنا أن شركة bitstream
تكاد تكون تخلت تماما عن سوق الوب هدفا تجاريا لتنسيقها الرائع للخطوط
المضمنة pfr، وأن تنسيقها يكاد لم يشهد أي دعم حقيقي في سوق المتصفحات
بعد دعمه قديمًا في الإصدارة الرابعة من متصفح نتسكيب نافيغيتر، وأن
بريمج توليد ملفات الخطوط المضمنة من خطوط تروتايب هو الآن بوصف شركة
bitstream "منتج منقطع".
وعلى ذلك، فإنه لا يسعنا إلا القول بأننا نأمل أنه حالما تنتشر
تقانة الخطوط المضمنة في المتصفحات الأخرى، إما ببعث الروح مجددًا في
تنسيق pfr في عالم الشنكبوتية (سوقه الحالية هي التطبيقات المدمجة مثل
الهواتف النقالة ومشغلات الموسيقى) أو بإيجاد أنساق جديدة، فإننا لن
نتوانى عن توسيع دائرة التوافق التام، حتى تشمل متصفحاتٍ أخرى غيرَ
متصفح مايكروسفت، لكن وحتى يحصل ذلك، فإننا نظل نتوقع -آسفين- من
الزوار استخدام متصفح مايكروسفت لأفضل خبرة تصفحية ممكنة، لا سيما وأن
موقعنا يحاول استخدام النص العربي بطريقة احترافية، ويحرص على أن يكون
ذلك قرين لغة عربية فصيحة وصحيحة.