صورٌ وخواطر

* تعريف بالكتاب

يضم الكتاب ثمانياً وثلاثين مقالة نُشرت بين عامي 1935 و1966، أي على مدى نحوٍ من ثلاثة عقود. وهو يقع في 382 صفحة من القَطْع المتوسط (14×21).

صور وخواطر

هذا الكتاب جامع لبعضٍ من أطرف وأظرف المقالات التي كتبها المؤلف، بالإضافة إلى بعضٍ من أنفعها وأكثرها شيوعاً.

فمقالة >يا بنتي< طُبعت مفردة في رسالة صغيرة عشرات المرات، وربما بلغ ما طبع منها نصف مليون نسخة. أما قرينتها، >يا ابني<، فليست أقلَّ منها نفعاً وفائدة وإن تكن أقل ذيوعاً وانتشاراً. والمقالتان من رسائل مسجد الجامعة، وهي رسائل كان يصدرها مسجد جامعة دمشق لمّا كان له شأن في الدعوة والإصلاح في الخمسينيات. وقد دأب المسجد على إصدار رسائل صغيرة -يوزعها على الناس مجاناً أو يبيعها لهم بثمن يسير- تهدف إلى المساهمة في الإصلاح والدعوة إلى الله بأسلوب حسن ولغة يفهمهما العامة، وكان بعضها تدويناً لبعض ما كان يُلقى في المسجد من خُطَب. وقد كانت رسالة >يا بنتي< أولى هذه الرسائل، نُشرت أول مرة عام 1956 ثم أُعيد نشرها مرات ضمن رسائل المسجد وعشرات المرات رسالةً مفردةً من بعد. وقد أعاد الأستاذ زهير الشاويش -من قريب- إصدار مجموعة >رسائل مسجد الجامعة< في ثلاثة أجزاء عظيمة النفع جليلة الفائدة (تحدث فيها عن المسجد ورسائله حديث المطّلع الخبير) وأبقى على رسالة >يا بنتي< متصدرة للرسائل لأنها أولها صدوراً.

ومما أُفرد في رسائل مستقلة من مقالات هذا الكتاب مقالة >حلم في نجد<؛ وهي مقالة فريدة فيما جمعتْه مما قيل في نجد من الشعر وما أُنشد فيها من القصائد، فكأنها ديوانٌ نجدي موجز تتداخل فيه المقاطع الشعرية والتعليقات الأدبية والشروح التاريخية.

وفي الكتاب -بعدُ- عدد من المقالات الطريفة التي أكاد أجزم أن أحداً لا يملك أن يقرأها بغير أن يقهقه ضاحكاً منها، فإن كنتَ قارئها -لا بد- فاقرأها خالياً حتى لا يعجب الناس من تفاعلك معها. فمن ذلك مجموعة مقالات الأعرابي: >أعرابي في حمام< و>أعرابي في سينما< و>الأعرابي والشعر<. ومن هذه المقالات الطريفة >ديوان الأصمعي<؛ وهي من أكثر المقالات ابتكاراً وطرافة، وقد بلغ من دقة حبكتها أن ظنها أحد الأساتذة حقيقة وبنى عليها فصلاً لغوياً نشره في بعض المجلات! (كما ورد في حاشيةٍ على المقالة في طبعةٍ حديثة من الكتاب). ومنها مقالة >مجانين<؛ وفيها مجموعة من أخبار >عقلاء المجانين< من مثل خبر الجاحظ الذي "نسي كنيته وطفق يسأل عنها حتى جاءه ابن حلال بالبشارة بلقياها فقال له: أنت أبو عثمان. فهل كان الجاحظ -عبقري الأدب، ولسان العرب- مجنوناً؟!". وكثير من مثل هذه القصص الطريفة أترك لكم قراء تها في موضعها. على أنّ في المقالة موعظة عظيمة ونصيحة صادقة: "فإذا كان في الدنيا جنون عبقرية وجنون مارستان، فإن جنون الهوى هو جنون الإجرام، لا سيما إذا كان على الطريقة الفرنسية. فيا أيها الشباب الصغار، إذا لم يكن بد من الجنون، فلنجنّ بالمعالي والمكارم، أو لنسكن المارستان!". أما مقالة >شهيد العيد< فأراها من أعجب مقالات الكتاب، ولن أتحدث عنها بل أدع كشفها لمن لم يعرفها من قبل من القرّاء.

وفي الكتاب مقالات من الأدب المحض، منها >مرثية غراي< التي قرأها عليه -كما ذكر في أولها- صديقه حيدر الركابي فصاغها بالعربية، و>القبر التائه< و>كتاب تعزية< و>وقفة على طلل<.

وفيه مقالات فلسفية منها: >السعادة< و>بيني وبين نفسي< و>بين البهائم والوحوش< و>لا أؤمن بالإنسان< و>رقم مكسور<. ومقالات اجتماعية منها: >تسعة قروش< و>اعرف نفسك< و>في الترام< و>في الحب<.

وأخيراً، إليكم مقطعاً من مقالة >أنا والإذاعة<، وقد أُذيعت من إذاعة دمشق عام 1942: "... وإذا هم يدخلونني من دهليز إلى دهليز، حتى انتهيت إلى زاوية مظلمة، فأشاروا إلى باب وقالوا: >هُسْ<، إياك أن تتكلم، أو تعطس، أو تسعل، أو تخبط برجلك، أو تدق بيدك، أو تُخَشْخِش بأوراقك! قلت: فكيف إذن أتحدث؟ قالوا: إذا جاء دورك تكلمت. ورأيت مكتباً ما عليه إلا علبة قائمة على عمود من الحديد وقد وقف أمامها شاب يصوّت أصواتاً بعضها يخرج من حلقه وبعضها من صدره وبعضها من بطنه، ويتخلّع ويتلوّى مع النغمات، فأجهدت ذهني خمس دقائق كاملات لأعرف ماذا يصنع هذا الرجل: أيغني أم يخطب، أم هو مصروع معتوه يخلِّط، فلم أهتدِ إلى حقيقته. ثم سكت وتقدم من العلبة أحد موظفي المحطة فقال: لقد انتهت الحفلة الموسيقية. فقلت: إذن هي حفلة موسيقية؟ سبحان القادر على كل شيء! وأقبل الموظف عليّ فأشار بيده إلى حيث كان يقف الشاب صاحب الأصوات المخنثة، فقلت: ماذا؟ أأعمل أنا أيضاً حفلة موسيقية؟ قالوا: هس.. هس! وأدار مفتاحاً كمفتاح الكهرباء وجعل يكلمني بلسانه بعد أن كان يتكلم بيديه وقال: تفضل يا أستاذ، اقعد وتكلم. قلت: أتكلم مع مَن؟ أين المستمعون؟ قال: تكلم هنا.. وأشار إلى العلبة. قلت في نفسي: أعوذ بالله من شر هذه الغرفة! لقد حسبتها سجناً مغلقاً فإذا هي بيمارستان! أأكلم علبة؟ أمجنون أنا؟ وبحثت عن مهرب فلم أجد، وفتشت عن نصير فلم ألقَه، فاستسلمت للمقادير وقعدت، وشرعت أكلم العلبة كالمجانين!".



* محتويات الكتاب