في سبيل الإصلاح

* تعريف بالكتاب

ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في عام 1959، وهو يضم ثلاثاً وثلاثين مقالة يعود أكثرها إلى عشر الأربعينيات، ويقع في 210 صفحات من القَطْع المعتاد (17×24).

في سبيل الإصلاح

كان >الإصلاح< واحداً من المقاصد الكلية العظمى لمسيرة علي الطنطاوي العلمية والأدبية، وكان السعي إليه والعمل في سبيله واحداً من أهم معالم سيرته. لقد كتب وخطب في سبيل الإصلاح، وحاضر وسافر في سبيل الإصلاح، وكافح ونافح في سبيل الإصلاح، وعاش حياته كلها في سبيل الإصلاح. فكيف لا يحمل واحدٌ من كتبه -بعد هذا كله- هذا العنوان؟!

لقد كانت رسائل >في سبيل الإصلاح< من أول ما كتب في حياته (من الآثار القديمة لعلي الطنطاوي)، وقد عاد فنقل لنا -في مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب- بعض ما صدّر به تلك الرسائل، فقال: "في غرة رجب سنة 1348 نشرت أول كتاب لي وهو >رسائل في سبيل الإصلاح<، وقد قلت في مقدمته إننا "إن لم نجد في عصرنا من المصلحين كالذين كانوا في الصدر الأول، فلا أقلّ من أن نتشبه بهم، ونسلك سبيلهم، فنصيح بالناس بقدر ما في حناجرنا من قوة؛ ندعوهم إلى الإصلاح، وندلّهم على طريقه، وإذا جاء ت أصواتنا خافتة فضاعت في جَلَبة المجتمع فلم تُسمَع، فإن حسبنا أن فعلنا ما استطعنا. وهذه الفصول صيحتي، وإنها لضعيفة، بل هي أشبه بالهمس، ولكنها غاية جهدي. ولم أُرِدْ أن أدلّ بها على علم عندي؛ فإن كل ما قلته يعرفه القراء، ولكن أردت أن أذكّر بها مَن نسي، وأُنبِّه من غفل". واليوم، في غرة رجب سنة 1378، أنشر كتابي هذا؛ >في سبيل الإصلاح<، فلا أجد ما أقدم له به إلا هذا الكلام الذي قلته قبل ثلاثين سنة كوامل".

كان هذا ما جاء في مقدمة الطبعة الأولى من الكتاب. ثم هو يعود بعد ثلاثين سنة أخرى ليكتب لنا مقدمة الطبعة الثانية منه، ومما جاء فيها: "إني حين أفكر فيما كانت عليه الدنيا وأنا في صدر حياتي ومطلع صباي وما هي عليه الآن أحسّ كأني صعدت إلى رأس المئذنة ووقفت عند الهلال لا أستند إلى شيء، أنظر من تحتي إلى ما حولي فأحسّ أن الدنيا تدور بي حتى أكاد أسقط على رأسي. لقد كان تبدلاً يكبر عن التصديق، ولكن هل كان خيراً كله؟ الجواب: لا. هل كان شراً كله؟ الجواب: لا. إن فيه خيراً من الواجب علينا أن نتمسك به، وفساداً علينا أن نصلحه. ومن هنا حاولت -وأنا أكتب وأؤلف وأخطب وأحاضر من ستين سنة- أن أجعل حظاً من عملي هذا في سبيل الله ثم في سبيل الإصلاح".

ولقد كان كذلك، وما المقالات التي جمعها هذا الكتاب غير قدر يسير مما قدمه في هذا الباب. وهو -أبداً- يهتم بأساس الإصلاح ولبه فلا يَضيع (كما يصنع كثير من الوعاظ والمحدثين) في القشور ولا يُضيع فيها الناس. في مقالة >أخلاقن< (التي نشرها عام 1938) يقول: "نحن اليوم -في أكثر بلدان الشرق الإسلامي- في دور يقظة ومطلع نهضة، ولكل نهضة جسم وروح؛ أما الجسم فهذه السياسة وما يتصل بها، وهذه الدواوين الحكومية وما يكون فيها، وهذه القوانين والأنظمة وما ينشأ عنها؛ وأما الروح فهو الأخلاق والعقائد والمثل العليا. فروح الحكم الإخلاص والقناعة والعدل بين الناس، وروح الوظيفة الاستقامة ومعرفة الواجب، وروح المدرسة تنشئة جيل المستقبل على المثل العليا، وروح الصحافة نشر الحق والفضيلة والخير... فهل امتدت نهضتنا إلى الروح؟ أم هي قد اقتصرت على الجسم وحده؛ لم نُعنَ إلا به، شأننا في كل أمر من أمورنا حين نهتم بالقشور ونقف عند الظواهر؟".

إن مقالات الكتاب حافلة بالدعوة إلى الخير والصلاح ومكارم الأخلاق؛ فنجد الدعوة إلى الفضيلة ومحاربة الفساد العنصرَ الأبرز في عدد منها، كما في: >دفاع عن الفضيلة< و>رجل في ملابس النساء < و>مناظرة هادئة< و>إلى علماء مصر< و>المشكلة الكبرى<.

ولكن المؤلف -في دعوته إلى الإصلاح- لا يحصر اهتمامه بهذا الأمر وحده، ولا بجانب دون آخر من جوانب حياة الفرد وحياة المجتمع؛ فنجد الانتصار للفقراء والدعوة إلى العدالة الاجتماعية في مقالات: >إنذار< و>تاجر حرب< و>بطون جائعة وأموال ضائعة< و>يا أيها الأغنياء < و>إلى القرية يا شباب<. ونجد تشخيصاً وعلاجاً لمشكلاتٍ اجتماعية (كالغش والمماطلة والتطفل والاستهتار والفردية والأنانية والنفاق وضياع الأمانة) في مقالات: >الأمانة< و>من أخلاقن< و>حق الضيافة< و>في القهوة< و>بين الزوجين<. ونجد دعوة إلى إصلاح التعليم وإحياء اللغة في مقالات: >مستقبل الأدب< و>دفاع عن الأدب< و>أسلوب جديد في التعليم< و>لو أقر المجمع< و>الأدباء الرسميون<. ويدافع عن الأزهر ويدعو إلى إصلاحه في مقالتي: >إن هذا العلم دين< و>إلى علماء الأزهر<.

وها هو -أخيراً- مقطع من مقالة >أين الأقلام؟< (التي نُشرت سنة 1946) أختم به عرضي لهذا الكتاب: "نحن -اليوم- في معركة مع الاستعمار قد اندلعت نارها، وطار في كل أرض من أرض الإسلام شرارها. فهل رأيت جيشاً في معركة يدع مدافعه فلا يطلقها، وينسى دباباته فلا يسيّرها، ويلقي بنادقه فلا يحملها؟ وهذا ما نفعله نحن حين نهمل أقلامنا فلا نسخرها في هذا النضال. وإن من أمضى أسلحتنا وأنفذها وأبقاها على الزمان وأثبتها للغِيَر لَهذه الأقلامُ؛ فما لِهذه الأقلامِ نائمةٌ لا تفيق، جامدةٌ لا تتحرك؟ وما لبعضها لا يزال يلهو ويلعب؛ كأنه مدفع العيد يتفجر بالبارود الكاذب وسط المعمعة المدلهمّة التي جُنّ فيها الموت؟!".



* محتويات الكتاب